تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها ، فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد التحاب والتوادد ، ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة ، ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا ، فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى اللّه تعالى وسالكون إليه الطريق من الدنيا ، وسنوها وشهورها منازل الطريق ، والترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التواد والتحاب ، فكيف السفر إلى الفردوس الأعلى والترافق في طريقه ؟ ولا ضيق في سعادة الآخرة ، فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع ولا سعة في سعادات الدنيا ، فلذلك لا ينفك عن ضيق التزاحم ، والعادلون إلى طلب الرئاسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى :
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )
[ الحجرات : 10 ] وداخلون في مقتضى قوله تعالى :
( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ )
[ الزخرف : 67 ] .
شرح
( وكما أن حق أبناء الرجل الواحد ) من الأب والأم ( أن يتحابوا ) بالألفة المعنوية ( ويتعاونوا على المقاصد ) غير متحاسدين ، ( فحق تلامذة الرجل الواحد ) جمع تلميذ وهو المتعلم ( التحاب ) مع البعض والتواد ، ( ولا يكون ) الحال ( إلا كذلك إن كان مقصودهم ) من اجتماعهم على الشيخ الاستفادة والاهتداء إلى طريق ( الآخرة ولا يكون إلا التحاسد والتباغض ) وقطع الاعراض والاعراض مع المفاخرة ( إن كان مقصدهم ) طلب ( الدنيا ، فإن العلماء ) باللّه تعالى ( وأبناء الآخرة مسافرون ) على مطايا هممهم ( إلى اللّه تعالى وسالكون إليه الطريق ) على تباين مراتبهم في سلوكهم قوة وضعفا ( من الدنيا وسنوها ) جمع سنة ( وشهورها ) وجمعها ( منازل الطريق ) بمثابة منازل الحج المعلومة ، ( والترافق في الطريق ) بمقتضى الرفيق قبل الطريق ( بين المسافرين ) سفرا ظاهريا ( إلى الأمصار ) والقرى لأغراض معلومة ( سبب التواد والتحاب ) لأنه الذي يجمع كلمتهم ويضم شملهم . هذا حال السفر في منازل الدنيا ، ( فكيف ) حال ( السفر ) المعنوي الذي يحتاج إلى اهتمام زائد إلى عالم البرزخ أولا ثم إلى الجنة ثم ( إلى الفردوس الأعلى ) الذي هو أعلى منازلها ، وقد ورد إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى ، ( و ) انظر كيف يكون ( الترافق في طريقه ) والتعاون على الوصول إليه ( ولا ضيق في سعادات الآخرة ) لكونها إفاضات والمهيع واسع ، ( فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع ) ولا تنافس ، وكل وارد على ذلك المهيع على قدر اجتهاده ( ولا سعة في سعادات الدنيا ) لكونها مشوبة بالأكدار ممزوجة بركوب الأخطار ، ( فلذلك لا ينفك ) أبدا ( عن ضيق التزاحم ) والتنافس والتوثب على البعض بموجب الشهوات النفسية على قلة وكثرة واختلاف مراتب حسب الدواعي ، ( والعادلون ) أي المائلون ( إلى طلب الرئاسة ) والوجاهة ومتاع الدنيا الزائلة ( بالعلوم ) أي بتحصيلها ( خارجون عن موجب قوله تعالى :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )