من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا ، ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين ، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية ، والمعلم سبب الحياة الباقية .
ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم ، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة . أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا ، فاما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك نعوذ باللّه منه ، وكما
شرح
( نار الآخرة وهو أهم من انقاذ الأبوين ولدهما من نار الدنيا ) أي من مشاقها ، ( ولذلك صار حق المعلم ) لطريق الخير ( أعظم من حق الوالدين ) إذا تعارضا ، ( فإن الولد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية ) وهما يضمحلان ، ( والعلم سبب الحياة الباقية ) الأبدية .
( ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب ) وفي نسخة : من جهة الوالدين ( إلى الهلاك الدائم وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة ) والسبب الأكبر للانعام عليه بتلك الحياة والخلود في دار النعيم ، فأبو الإفادة أقوى من أبي الولادة وهو الذي أنقذه اللّه به من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان . وقال ابن الحاج في المدخل : أمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحقيقة أولاده ، لأنه السبب للانعام عليهم بالنعمة السرمدية ، فحقه أعظم من حقوق الوالدين . قال عليه الصلاة والسلام :
« ابدأ بنفسك » فقدم نفسه على غيره واللّه قدمه في كتابه على نفس كل مؤمن ، ومعناه إذا تعارض حقان حق لنفسه وحق لنبيه فأكرمها وأوجبها حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يعجل حق نفسه تبعا للحق الأول ، وإذا تأملت الأمر في الشاهد وجدت نفع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم من نفع الآباء والأمهات وجميع الخلق ، فإنه أنقذك وأنقذ آباءك من النار ، وغاية أمر أبويك انهما أوجداك في الحسن فكأنه سببا لإخراجك إلى دار التكليف والبلاء والمحن اه .
ويلحق به صلّى اللّه عليه وسلّم كل معلم لطريقته على وجه الإرشاد والإصلاح والهداية ، وبهذا التقرير يظهر لك سر كلام المصنف وبدؤه بحديث أبي هريرة ، فتأمل ذلك ترشد . وعبارة الذريعة : حق المعلم أن يجري متعلميه مجرى بنيه ، فإنه في الحقيقة لهم أشرف الأبوين ، كما قال الإسكندر وقد سئل عن ذلك : أمعلمك أكرم عليك أم أبوك ؟ فقال : معلمي لأنه سبب حياتي الباقية ووالدي سبب حياتي الفانية ، وق د نبّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بقوله : « إنما أنا لكم مثل الوالد » فحق معلم الفضيلة أن يقتدي بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ هو في ارشاد الناس خليفة ويشفق عليهم اشفاقه ويتحنن عليهم تحننه كما قال اللّه تعالى في وصفه عليه السلام :( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )[ التوبة :
128 ] اه .
( أعني ) بذلك ( معلم علوم الآخرة ) على وجه الإرشاد والتربية والتسليك على طريقته صلّى اللّه عليه وسلّم وسلم إذا العلماء ورثة الأنبياء فهم من مقام إرشاد الأمة ، ( أو ) معلم ( علوم الدنيا على قصد ) الوصول إلى ما ينفع في ( الآخرة لا على قصد ) الوصول إلى حصول أمور ( الدنيا ، فأما التعليم ) والتعلم ( على قصد ) تحصيل حطام ( الدنيا ) والتمكن في زينتها والتفاخر بها في الملابس والمآكل والراكب ( فهو هلاك ) في نفسه ( وإهلاك ) لغيره . ( نعوذ باللّه منه ) آمين ،