تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
إنفاق على نفسه فيكون منتفعا ، وحال بذل لغيره فيكون به سخيا متفضلا وهو أشرف أحواله ، فكذلك العلم يقتنى كما يقتنى المال فله حال طلب واكتساب ، وحال تحصيل يغني عن السؤال ، وحال استبصار وهو التفكر في المحصل والتمتع به ، وحال تبصير وهو أشرف الأحوال ، فمن علم وعمل وعلم فهو الذي يدعى عظيمّا في ملكوت السماوات ، فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها ، وكالمسك الذي يطيب
شرح
بذلك حالة عفة عن التطلع إلى الغير ، ( وحال انفاق على نفسه ) بصرفه فيما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وملبس ومنكوح ومسكن ومركوب ( فيكون به منتفعا ) قاصرا ذلك على نفسه . وفي معناه إذا أنفق على عياله فيما يحتاجون إليه لأنهم في الحقيقة بمنزلة نفس الإنسان ( وحال بذل لغيره ) من المستحقين وذوي الحاجات ، ونص الذريعة وحال إفادته غيره ( فيكون به سخيا متفضلا ) والسخاء إعطاء ما ينبغي لما ينبغي وتحته أنواع والتفضل هو التطوع زاد المصنف ( وهو أشرف أحواله ) وأكملها وأجلها التعدي نفعه إلى الغير قاله صاحب الذريعة ، ( فكذلك العلم يقتنى ) ويجمع ( كالمال فله ) أي للعلم أربعة أحوال أيضا ( حال طلب واكتساب ) من هنا ومن هنا ، ( وحال تحصيل ) وادخار ( يغني عن السؤال ) والالتفات إلى الغير ، ( وحال استبصار ) واستنارة ( وهو التفكر ) والتدبر ( في المحصل ) أي فيما حصله ( والتمتع ) أي الانتفاع ( به وحال تبصير ) لغيره وهو التعليم وهو بمنزلة انفاق المال للغير ، ( وهو أشرف الأحوال ) وأكملها التعدي نفعه . أما شرف العلم فظاهر بما سبق ، وأما شرف العمل فإن العلم إنما يراد له فإنه بمنزلة الدليل للسائر فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلته من لم يعلم شيئا ، كما أن من ملك ذهبا وفضة وجاع وعري ولم يشتر منهما ما يأكل ويلبس فهو بمنزلة الفقير العادم كما قيل :ومن ترك الانفاق عند احتياجه * مخافة فقر فالذي فعل الفقرفإذا ثبت للمرء العلم والعمل وهما شريفان ، فالتعليم أشرف كما قال ، وقد أشار إلى مقام التحصيل والتمتع والتبصير بقوله : ( فمن علم ) أي حصل العلم باكتسابه ( وعمل ) أي انتفع به بعد تحصيله ( وعلم ) أي انفقه على غيره ( فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماء ) وهذا قد تقدم للمصنف في باب فضيلة التعليم وعزاه إلى سيدنا عيسى عليه السلام ، وذكرنا هنالك أن العراقي لم يخرجه ولم يشر إليه ، وقد أخرجه أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب العلم من طريق عبد العزيز بن ظبيان قال : قال المسيح عيسى بن مريم : من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء ، ( فإنه كالشمس ) المنيرة ( تضيء لغيرها ) بأنوارها ( وهي مضيئة في نفسها ) . وقد كثر تشبيه العلماء العاملين المفيدين بالشمس وبالقمر في كلامهم وسياقاتهم نظما ونثرا . ( وكالمسك ) أيضا وهو طيب معروف ، وقد ورد : أطيب الطيب المسك ( الذي يطيب ) غيره بمجرد المجاورة ولو لم يلامسه ( وهو طيب ) في نفسه ، واقتصر في تشبيهه لهم بالشمس
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 544 | مرتضى الزبيدي