تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
والأمر جميعا ، والأمر أعلى من الخلق وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة اللّه تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السماوات والأرضين والجبال إذ أبين أن يحملنها وأشفقن منها من عالم الأمر ، ولا يفهم من هذا أنه تعريض بقدومها ، فإن القائل بقدم الأرواح مغرور جاهل لا يدري ما يقول ، فلنقبض عنان البيان عن هذا الفن فهو وراء ما نحن بصدده . والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الرب لأنها من أمر الرب فمنه مصدرها وإليه مرجعها ، وأما البدن فمطيتها التي تركبها وتسعى بواسطتها ، فالبدن لها في طريق اللّه تعالى كالناقة للبدن في طريق الحج ، وكالراوية الخازنة للماء الذي يفتقر
شرح
البدن ) ، فالإضافة هنا تشريفية كما يقال : بنيت اللّه وناقة اللّه ، ( وللّه ) عز وجل ( الخلق والأمر جميعا ) لا يشاركه أحد فيهما سبحانه وتعالى قال تعالى :( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ )[ الأعراف : 54 ] ، أي فإنه الموجد والمتصرف خلق العالم على ترتيب قويم وتدبر حكيم ، فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب ، وعمد إلى ايجاد الاجرام السفلية فخلق جسما قابلا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة ، ثم قسمها لصور نوعية متضادة الآثار والأفعال ، ثم نشأ المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولا وتصويرها ثانيا ، ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره ، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام ، ثم صرح بما هو فذلكة التقدير ونتيجته فقال :( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ )( والأمر أعلى من الخلق ) نظرا إلى ما ذكرنا . ( وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة اللّه تعالى ) قيل : هي كلمة التوحيد ، وقيل العقل ، وقيل : الطاعة قاله الحسن . وقيل : العبادة ، وقيل : حروف التهجي ، وقيل : غير ذلك ( المتقدمة بهذه الرتبة على السماوات والأرض والجبال إذ أبين ) أي امتنعن ( أن يحملنها ) لثقلها ( وأشفقن منها ) أي خفن بمهابة ( من عالم الأمر ) ، ولذا أضيف إلى اللّه تعالى ( ولا يفهم من هذا ) الذي أوردناه ( تعريضا ) وتلويحا ( بقدمه ) أي الروح نظرا إلى كونه من أمر الرب ، ( فالقائل بقدم الأرواح ) كالفلاسفة ومن على قدمهم ( مغرور ) في زعمه ( جاهل ) فيما يبديه ( لا يدري ما يقول ) ولا يميز خطأه من صوابه ، ولما أطال في بحث هذه المسألة أدّاه تحقيقه لها إلى الخروج عن أصل كلامه الذي أبداه فأشار لذلك وقال : ( ولنقبض عنك البنان ) أي تمسك ( عن ) التوغل في ( هذا الفن ) الذي هو الكلام ( فهو وراء ما نحن بصدده ) أي طلبه وبيانه ، ( والمقصود ) من ذلك كله ( أن هذه اللطيفة ) الحاملة لأمانة ربها ( هي الساعية إلى قرب الرب ) عز وجل ( لأنه من أمر الرب ) تعالى ، ( فمنه مصدره وإليه مرجعه ) ومآله ، ( وأما البدن فمطيته التي تركبها ) في قطع بوادي السلوك ( وتسعى بواسطتها ) إلى ملك الملوك ، ( فالبدن لها ) أي للروح ( في ) سلوك ( طريق اللّه ) عز وجل ( كالناقة ) مثلا ( للبدن في طريق الحج أو كالراوية الحاوية ) أي الحاملة . وفي نسخة : الخازنة ( للماء الذي يفتقر ) أي يحتاج ( إليه البدن ) في حفظ صحته ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 540 | مرتضى الزبيدي