تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
( فإن قلت ) : لم شبهت علم الطب والفقه باعداد الزاد والراحلة ؟ فاعلم أن الساعي إلى اللّه تعالى لينال قربه هو القلب دون البدن ، ولست أعني بالقلب اللحم المحسوس بل هو سر من أسرار اللّه عز وجل لا يدركه الحس ، ولطيفة من لطائفه تارة يعبر عنه بالروح وتارة بالنفس المطمئنة ، والشرع يعبّر عنه بالقلب لأنه المطية الأولى لذلك السر ، وبواسطته صار جميع البدن مطية وآل لتلك اللطيفة ، وكشف الغطاء عن ذلك السر من علم المكاشفة وهو مضنون به بل لا رخصة في ذكره ، وغاية المأذون فيه أن
شرح
الدائر على الألسنة : ( « العلم علمان : علم الأبدان وعلم الأديان » ) والمشهور أنه حديث إلا أنه موضوع كما في الخلاصة . نقله منلا علي في موضوعاته ، والصحيح أنه من قول الإمام الشافعي نقله غير واحد ، ( وأشار ) بالجملة الأخيرة ( إلى ) علم ( الفقه ) إنما ( أراد به العلوم الظاهرة الشائعة ) في المدارس المبوّبة في المصنفات من السلم والظهار والإجارة والكفارات وغيرهما ، ( لا العلوم العزيزة الباطنة ) مما يؤول نفعها في تصفية القلب وسلوك طريق الآخرة . ( فإن قلت : لم شبهت علم الفقه والطب باعداد الزاد والراحلة ) تحرير السؤال ، حيث ذكرت أن العلم بأنواعه منحصر في الاثنين فدل مقتضاه على أنهما أشرف العلوم وأساسها ، فما السر في تشبيههما في أوّل كلامك باعداد الزاد والراحلة فإن ما كان مشبها به جدير أن يكون خير مقصود للذات ؟ ( فاعلم أن الساعي ) في سلوكه باجتهاده ( إلى ) الوصول لمعرفة ( اللّه ) جل وعز ( لينال ) بذلك ( قربه هو القلب ) خاصة ( دون البدن ) كما يرى في الظاهر ، ( ولست أعني بالقلب ) الساعي ( اللحم ) الصنوبري ( المحسوس ) المشاهد ، ( بل ) هو ( سر من أسرار اللّه تعالى ) غامض ( لا يدركه الحس ) لقصوره عن إدراكه ، ( ولطيفة من لطائفه ) المعنوية لا تعتورها الأفهام إلا بعد التوقيف من مرشد كامل ( وتارة يعبر عنه بالروح ) الإنساني ، وبه فسر قوله تعالى :( وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )[ الحج : 46 ] وهذا هو الظاهر في تفسيره . وقيل : العقل . وأنكره الراغب ، وتحقيق المقام أن القلب لغة التصريف سمي به لكثرة تقلبه ويعبّر به عن المعاني التي تختص به الروح والعلم والشجاعة ، فمن الأوّل قوله تعالى :( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ )[ الأحزاب : 10 ] ومن الثاني قوله تعالى :( لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ )[ ق : 37 ] أي علم وفهم . ومن الثالث قوله تعالى :( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ )[ الأنفال : 10 ] أي تثبت به شجاعتكم ، ( وأخرى ) يعبر ( بالنفس المطمئنة ) أي الساكنة لما علمت من رضا ربها بامتثال أمره واجتناب نهيه ، والأنفس ثلاثة . أمارة ولوّامة ومطمئنة . وأعلاها الثالثة وأدناها الأولى ، وسيأتي التفصيل في ذلك عند ذكر النفوس ، ( والشرع يعبر عنه بالقلب ) لنكتة خاصة وهي ( لأنه المطية الأولى لذلك السر ) الذي لا يدركه الحس ( وبواسطته صار جميع البدن مطية ) لسريان سره فيه ( وآلة لتلك اللطيفة ) يتوصل إلى معرفتها بسببه ، ( وكشف الغطاء ) باللسان ( عن ذلك السر ) الغامض ( من ) جملة ( علم المكاشفة وهو مضنون به ) أي مبخول به في الذكر ، ( بل