يقال هو جوهر نفيس ودر عزيز أشرف من هذه الأجرام المرئية ، وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى :
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )
[ الإسراء : 85 ] وكل المخلوقات منسوبة إلى اللّه تعالى ، ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن ، فلله الخلق
شرح
لا رخصة في ذكره ) . وقد روي عن الحسن ، عن حذيفة سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن علم الباطن ما هو ؟ فقال : « سألت جبريل عنه فقال عن اللّه هو سر بيني وبين أحبائي وأوليائي وأصفيائي أودعه في قلوبهم لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل » ، وقد تكلم في سماع الحسن عن حذيفة وحكم على هذا الحديث بالوضع ، ( وغاية المأذون فيه أن يقال هو جوهر نفيس ودر عزيز ) . أراد بالجوهر المعنى اللغوي لمناسبة ما بعده لا المعنى الذي ذكره الحكماء هو انه ماهية إذا كانت في الأعيان كانت لا في موضوع وحصروه في خمسة هيولى وصورة وجسم ونفس وعقل ( أشرف من هذه الأجرام ) أي المشاهدة والأجرام الأجساد ، وقد يطلق الجرم على اللون أيضا كقولهم : نجاسة لا جرم لها ، ( وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى ) في سورة بني إسرائيل( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )قال البيضاوي : أي الروح الذي يحيا به بدن الإنسان وتدبره( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )[ الاسراء : 85 ] من الابداعيات الكائنة بكن من غير مادة تولد من أصل كأعضاء جسده أو وجد بأمره وحدث بتكوينه عن السؤال عن قدمه وحدوثه . وقيل : ما استأثر اللّه بعلمه لما روي أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها وسكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبيّن لهم قصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة . وقيل : الروح جبريل ، وقيل خلق أعظم من الملك ، وقيل القرآن ومن أمره معناه من وحيه اه .
وقال ابن الكمال : الروح الإنساني اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الراكبة على الروح الحيواني نازل من عالم الأمر تعجز العقول عن إدراك كنهه ، وتلك الروح قد تكون مجردة وقد تكون منطبعة على البدن ، وأما الروح الحيواني فجسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجساد البدن ، والروح الأعظم الذي هو الروح الإنساني مظهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها ، ولذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم لا يعلم كنهها إلا اللّه ، ولا ينال هذه البغية سواه وهو العقل الأول والحقيقة المحمدية والنفس الواحدة والحقيقة الاسمائية ، وهو أول موجود خلقه اللّه تعالى على صورته وهو الخليفة الأكبر وهو الجرم النوراني . جوهريته مظهر للذات النورانية وسمي باعتبار الجوهرية نفسا واحدة وباعتبار النورانية عقلا أولا ، وكما أن له مظاهر وأسماء من العقل الأول والعلم الأعلى والنور والنفس الكلية واللوح المحفوظ ، وغير ذلك له في العالم الصغير الإنساني مظاهر بحسب ظهوراته ومراتبه في اصطلاح أهل اللّه ، وهي السر والخفاء والروح والقلب والكلية والفؤاد والصدر والعقل والنفس فتأمل ذلك ترشد . ( و ) إن قال قائل : ( كل المخلوقات منسوبة إلى اللّه تعالى ) فما وجه تخصيصه بالإضافة إليه فأجاب بقوله : ( ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء