تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال والعبودية ، بل لغرض عاجل فهو من أصحاب الشمال ومن الضالين فله نزل من حميم وتصلية جحيم . واعلم أن هذا هو حق اليقين عند العلماء الراسخين أعني أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد التقليد لمجرد السماع ،
شرح
أخبر اللّه عنهم في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال تأتيه الملائكة من قبل اللّه تعالى وتسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين . وأخرج عبد ابن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن قتادة بن النعمان رضي اللّه عنه قال : سلام من عذاب اللّه وتسلم عليه ملائكة اللّه . ( وكل من يتوجه إلى المقصد ) نوع توجه ( ولم ينتهض له ) بكليته ووسع رحمانيته ( أو انتهض إلى جهته ) بكليته لكن ( لا على قصد الامتثال والعبودية ) وهو الانقياد والتذلل لأوامر اللّه تعالى ، ( بل لغرض عاجل ) وعلة دنيوية ( فهو من أصحاب الشمال ) الذين هم مشائيم على أنفسهم بمعصيتهم منزلته خسيسة ، بل ( ومن ) المكذبين ( الضالين ) الذين ضل سعيهم ( وله نزل ) وهو ما يقدم بين يدي الضيف ( من حميم ) ماء حار يكلف بشربه لا يقدر على إساغته ( وتصلية جحيم ) أي إدخال في جحيم النار . وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي ، عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » فقالت عائشة رضي اللّه عنها : إنا لنكره الموت . فقال : « ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّه وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه وأحب لقاء اللّه وأحب اللّه لقاءه ، وإن الكافر إذا حضر بشّر بعذاب اللّه وعقوبته فليس شيء أكره عليه مما أمامه وكره لقاء اللّه وكره اللّه لقاءه » . وأخرج ابن مردويه ، والديلمي عن ابن عباس قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بخير فروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله وإن كان بشر فنزل من حميم وتصلية جحيم أن يحبسه » . ( واعلم أن هذا ) قد بيّن المشار إليه فيما بعد بقوله ، أعني إلخ ( هو حق اليقين ) ، وهو مأخوذ من قوله تعالى :( إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ )[ الواقعة : 95 ] أي المذكور في السورة لهو حق الخبر اليقين . وعن ابن عباس إن هذا أي ما قصصناه عليك في هذه السورة لحق اليقين . ( أعني أنهم أدركوه بمشاهدة ) ومطالعة ( من ) أنوار ( الباطن ) بعد تصفيته ، وهو ( أقوى وأجلى ) أي أكثر جلاء عند أهل الاعتبار ( من مشاهدة الأبصار ) ومطالعتها ( وترقوا فيه ) على قدر هممهم على مراتب علياء ووسطى ( عن حد التقليد ) المحض ( بمجرد السماع ) من غير تلعثم ولا توان . وهذا من إفاضة الحق سبحانه عليهم حيث أهلهم لوصول هذا المقام ،