تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وطرق البوادي دون سلوكها ، كذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب ، ولكن المباشرة دون العلم غير ممكن . وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه وهو العلم باللّه تعالى وصفاته وملائكته وأفعاله ، وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة وههنا نجاة وفوز بالسعادة والنجاة حاصلة لكل سالك للطريق إذا كان غرضه المقصد الحق وهو السلامة ، وأما الفوز بالسعادة فلا يسأله إلا العارفون باللّه تعالى ، وهم المقربون المنعمون في جوار اللّه تعالى بالروح والريحان وجنة النعيم ، وأما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة كما قال اللّه عز وجل :
( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ * وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ )
[ الواقعة : 88 - 91 ] . وكل من لم يتوجه إلى المقصد ولم ينتهض له أو
شرح
البوادي ) المضلة ( دون سلوكها ) وقطع رسومها ، فكذلك ( لا يغني علم تهذيب الأخلاق ) وتصفيتها من الرذائل ( دون مباشرة التهذيب ) بتدريب من المرشد الناصح اللبيب ، ( لكن المباشرة ) في أمر ( دون العلم ) به أولا ( غير ممكن ) ، ولذلك أجري علم الطب والفقه مجرى إعداد الزاد والراحلة . ( وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه ) الذي هو المقصود لذاته من إعداد الزاد وقطع البوادي ، ( وهو العلم باللّه وصفاته وملائكته وأفعاله ) وما في ذلك من الأسرار الغريبة والمشاهد العجيبة ، بل ( وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة وههنا ) أيها السالك ( نجاه ) من الهلاك ( وفوز بالسعادة ) الأبدية أي فالتنكير فيها إشارة للتقليل ( والنجاة حاصلة لكل سالك ) في هذا ( الطريق ) بعد المباشرة ( إذا كان غرضه المقصد وهو السلامة ) من الهلاك الأبدي ، ( وأما الفوز بالسعادة ) الكبرى ( ف ) إنه ( لا يناله إلا العارفون ) المتمكنون في معرفتهم باعتبار المقامات وبحسب الدرجات ( فهم المقربون ) في حضرة اللّه جل جلاله وهم السابقون المشار إليهم بقوله :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ )( المنعمون في جوار اللّه ) وكنفه ( بالروح ) الاستراحة ، وقرئ بالضم وفسر بالرحمة لأنها كالسبب لحياة المرحوم ، وفسر أيضا بالحياة الدائمة وبالفرج من الغم والتعب ، ( والريحان ) الرزق والطيب ، وقيل : ريحان الجنة ( وجنة النعيم وأما الممنوعون دون ذروة الكمال ) أي لم ينتهضوا إلى تحصيله بالكلية فمنعوا من الوصول ( فلهم النجاة والسلامة ) من العذاب والمقت ، ( كما قال تعالى :فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ )ذات ( نعيم ) ، ثم إن المراد بالسابقين الذين ثبت لهم التقريب هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان أو سبقوا في حيازات الفضائل والكمالات أو هم الأنبياء صلوات اللّه عليهم فإنهم متقدمو أهل الأديان ، ( وأما إن كان من أصحاب اليمين ) أصحاب المنزلة السنية أو الذين يؤتون صحفهم بإيمانهم ( فسلام لك ) يا صاحب اليمين أي نجاة لك( مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ )[ الواقعة : 90 ] من إخوانك وأصحاب اليمين هم الذين