تعالى ففيه النعيم كله ، وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون . والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء اللّه سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم أعني النظر الذي طلبه الأنبياء وفهموه دون ما يسبق إلى فهم العوام . والمتكلمين على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال ، وهو أن العبد الذي علق عتقه وتمكينه من الملك بالحج وقيل له : إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك جميعا ، وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له وعاقك في الطريق مانع ضروري فلك العتق والخلاص من شقاء الرق فقط دون سعادة الملك فله ثلاثة أصناف من الشغل . الأول : تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الراوية واعداد الزاد والراحلة . والثاني : السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلا بعد منزل . والثالث : الاشتغال بأعمال الحج ركنا بعد ركن ثم بعد
شرح
والفناء فيه دونه تقطع الأعناق ويضيق عن وصفه النطاق ( ففيه النعيم كله ) وما عداه زائل لا يعتد به ، ( وإن كان لا يعرف في هذا العلم ) كما ينبغي . وفي نسخة : في هذا العالم قدره ( إلا الأقلون ) وقليل ما هم ، ( والعلوم بالإضافة ) والنسبة ( إلى سعادة لقاء اللّه عز وجل ) في دار كرامته ورضوانه ( والنظر إلى وجهه الكريم ) من غير حجاب ( أعني ) أي أريد بالنظر ( النظر الذي طلبه الأنبياء ) صلوات اللّه عليهم بما يليق بمقاماتهم العلية ( وفهموه ) إرشادا من اللّه الكريم وهي المعرفة الخاصة بعد الفحص ( دون ما سبق إلى فهم العوام والمتكلمين ) .
قال بعضهم : استعمال النظر في البصر وهو تقليب الحدقة وتوجيهها إلى المنظور إليه أكثر عند العامة وفي البصيرة أكثر عند الخاصة فنظر الخواص غير نظر العوام ( على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال ) أي : بضرب مثال يوازنها ليكون أدخل في الأذهان وأسرع إلى معرفتها ، ( وهو أن العبد ) مثلا ( الذي علق عتقه ) من الرقبة ( وتمكينه من الملك ) بضم الميم ( بالحج ) متعلق بقوله علق ، ( و ) قد فسر ذلك بقوله ( قيل له ) أي لذلك العبد ( إن حججت ) بيت اللّه الحرام ( وتممت ) المناسك كلها أداء ( وصلت إلى العتق والملك جميعا ) أي إلى المقصدين العظيمين ، ( وإن ابتدأت ) شرعت السفر ( بطريق الحج والاستعداد له ) بإحضار الزاد والراحلة ( وعاقك ) أي منعك ( في الطريق مانع ) وفي نسخة : عائق وهو بمعناه ( ضروري ) اضطرك إلى ذلك ( فلك العتق فقط و ) هو ( الخلاص من شقاء الرق ) وتعبه ( دون سعادة الملك ) وبين السعادة والشقاء تضاد ، ( فله ) أي لهذا العبد المذكور ( ثلاثة أصناف من الشغل ) الشغل . ( الأول : تهيئة الأسباب ) والاستعداد لها ( بشراء الناقة ) أو ما في حكمها ( وخرز الراوية ) لحمل الماء أو شرائها مخروزة ( وإعداد الزاد ) ما يقوت به نفسه في الطريق على قدر الحال ، فمجموع ما ذكر أول أشغاله وتندرج في تلك أشغال أخرى والآخر أي الشغل . الثاني ( السلوك ) أي المشي ( ومفارقة الوطن ) والأهل والأصحاب ( بالتوجه إلى ) سمت ( الكعبة ) المشرفة ( منزلا بعد منزل ) ومنهلا بعد منهل . ( الثالث : الاشتغال