إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 532
( الوظيفة العاشرة ) : أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد كيما يؤثر الرفيع القريب على البعيد ، والمهم على غيره ، ومعنى المهم ما يهمك ولا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة ، وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن وشهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان ، فالأهم ما يبقى أبد الآباد ، وعند ذلك تصير الدنيا منزلا والبدن مركبا والأعمال سعيا إلى المقصد ، ولا مقصد إلا لقاء اللّه قال تعالى : ( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ) [ آل عمران : 163 ] وقال تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته ودنا ووفى حق ما هو بصدده فهو في جهاد يستوجب من اللّه لحفظ مكانه ثوابا على قدر عمله ، لكن قلما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته وشره في مكسبه وطالب في رئاسته وجاهل معجب بنفسه بصير لأجل تنفق سلعته صارفا عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائبا له ، فلهذا ترى كثيرا ممن حصل في منزل من منازل العلوم دون الغاية عائبا لما فوقه وصارفا عنه من رآه فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة من صرفه فعل من قال اللّه تعالى فيهم : ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) الآية [ فصلت : 26 ] . وما أرى من هذا صنعه إلا من الذين وصفهم اللّه تعالى بقوله : ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) . [ إبراهيم : 3 ] . [ الوظيفة العاشرة : أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد ] ( الوظيفة التاسعة ) من وظائف المتعلم التسعة : ( أن يعلم بنسبة العلوم ) كلها ( إلى المقصد ) الأعظم ويميز بين كل من ذلك ( كيما يؤثر ) أي يختار ( الرفيع القريب على البعيد ) الوضيع ، ( والمهم ) المقصود بالذات ( على غيره ومعنى المهم ) لغة ( ما ) يهمك أي يحزنك فيما نويته وأردته وعزمت عليه في نفسك ( ولا يهمك إلا شأنك ) الذي أنت فيه وعليه ( في الدنيا والآخرة ) أي فيما يتعلق بهما ، ولذا أجاب الشافعي حين قال : ما أفلح سمين قط إلا محمد بن الحسن ، وسئل عن ذلك أن المرء لا يخلو إما أن يكون مهتما في أمور دنياه أو أمور آخرته ولا خير في غيرهما وهما لا يبقيان شحما . هكذا ذكره غير واحد . وأورده الخطيب في تاريخه ، ولذا كان أصدق الأسماء همام والحرث ، ( وإذا لم يمكن الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة ) لأن ملاذ الدنيا زائلة فمن آثرها على نفسه حرم نعيم الآخرة فهما كالمتضادين لا يجتمعان بحسب الكمال فما نقص من الملاذ الدنيوية زيد له في النعيم الأخروي ، ومن اختار النعيم الأخروي لم ينظر إلى ملاذ الدنيا ، وهذه أغلبية وإلا فمنهم من يجمع اللّه له بينهما فهو سعيد الدنيا والآخرة كما أن منهم من يشقى فيهما جميعا فأحرق دنياه وآخرته ( كما نطق به القرآن ) في غير ما موضع ( وشهد له ) أي لصدقه ( من نور البصائر ما يجري مجرى العيان ) والمشاهدة ( فالأهم ) في الحقيقة ( ما يبقى ) نفعه ( أبد الآباد ) بلا نفاد ، ( وعند ذلك تصير الدنيا ) في التشبيه والتمثيل ( منزلا ) نزله ليتجاوز إلى غيره ( و ) هذا ( البدن ) الذي ركب فيه الروح ( مركبا ركبه ) ليوصله إلى مراده ( والأعمال ) الصادرة منه ( سعيا ) يسعى بها ( إلى المقصد ) الأعظم ، ( ولا مقصد ) في الحقيقة ( إلا لقاء اللّه تعالى )