فلا تظنن أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر ، بل الرتبة العليا للأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم العلماء الراسخين في العلم ، ثم للصالحين على تفاوت درجاتهم .
وبالجملة ؛
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، ومن قصد اللّه تعالى بالعلم أي علم كان نفعه ورفعه لا محالة .
شرح
ينقدون الدراهم والدنانير ويميزون بين جيدها ورديئها ( عند قياسهم بالملوك ) والأمراء وأحوالهم ( لا يدل على حقارتهم ) ونقص منزلتهم ( إذا قيسوا بالكناسين ) والزبالين مثلا ، ( ولا تظنن ) في نفسك ( أن ما نزل عن المرتبة القصوى ) في الدرجة ( ساقط القدر ) والمنزلة مطلقا ، ( بل الرتبة العليا ) في معرفة اللّه سبحانه التي هي أشرف المعلومات ( للأنبياء ) صلوات اللّه عليهم ، ( ثم الأولياء ) العارفين ، ( ثم العلماء الراسخين ) في علومهم ، ( ثم الصالحين ) من عباده ( على تفاوت درجاتهم ) بحسب اختلاف قربهم منه سبحانه . وهذا السياق أعني تقديم ذكر الأولياء على العلماء مرّ له في بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة استشكلوه على المصنف ، وسئل عنه العز بن عبد السلام ، فأجاب بصحة العبارة بما تقدم اجماله وهو بطوله في كتاب ( تأييد الحقيقة العلية ) للحافظ السيوطي .
( وبالجملة )( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )[ الزلزلة : 7 - 8 ] . الذرة : النملة الصغيرة ، وقيل : الهباء . قيل : أراد بهما حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر انهما تؤثران في نقص الثواب والعقاب ، وقيل : الآية مشروطة بعدم الاحباط والمغفرة أو الأولى مخصوصة بالسعداء ، والثانية بالأشقياء لقوله : أشتاتا قاله البيضاوي . وهذه الآية هي الفاذة الجامعة كما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .
وفي الدر المنثور للسيوطي أخرج ابن مردويه ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه قال :
بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر رضي اللّه عنه يأكلان إذ نزلت هذه السورة فأمسك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده عن الطعام ، ثم قال : « من عمل منكم خير فجزاؤه في الآخرة ومن عمل منكم شرا يره في الدنيا مصيبات وأمراضا ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة » .
وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن زيد بن أسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دفع رجلا إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . قال : حسبي ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « دعه فقد وفق » ( ومن قصد اللّه ) عز وجل أي أراد السلوك إلى معرفته ( بالعلم أي علم كان ) بشرط الاخلاص فيه ( نفعه ) في دنياه وآخرته ( ورفعه ) فيهما ( لا محالة ) البتة .
وهذا الفصل أيضا بتمامه في كتاب الذريعة ونصه : العلم طريق إلى اللّه تعالى ذو منازل قد وكل اللّه بكل منزل منها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو ، فمن منازله معرفة اللغة التي عليها مبنى الشرع ، ثم حفظ كلام رب العزة ، ثم سماع الحديث ، ثم الفقه ، ثم علم الاخلاق والورع ، ثم علم المعاملات ، وما بين ذلك من الوسائط من معرفة أصول البراهين والأدلة ، ولهذا