تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
وقوتها ، وإن نسب الحساب إلى الطب كان الطب أشرف باعتبار ثمرته ، والحساب أشرف باعتبار أدلته وملاحظة الثمرة أولى ، ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين . وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم باللّه عز وجل وملائكته وكتبه ورسله ، والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم ، فإياك وإن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا عليه .
شرح
تقدم ، وفي نسخة : وعلم النحو ( فإن ) علم ( الحساب أشرف ) نظرا ( لوثاقة أدلته وقوتها ) وترتيبها على قواعد مضبوطة ، ( وإذا نسب ) علم ( الحساب إلى ) علم ( الطب كان ) علم ( الطب أشرف من ) علم ( الحساب باعتبار ثمرته ) التي هي الحياة ، ( و ) علم ( الحساب أشرف ) من علم الطب ( باعتبار ) وثاقة ( أدلته ) ومتانتها ، ( و ) لا يخفى أن ( ملاحظة الثمرة أولى ) من النظر إلى وثاقة الدليل ، ( ولذلك كان ) علم ( الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين ) والحدس والتجارب قد تخطئ مع اختلاف الأمزجة والأهوية في الذريعة ، ورب علم يوفى على غيره في أحد وجهين ، وذلك الغير يوفى عليه بالوجه الآخر كالطب مع الحساب ، فالطب شريف الثمرة إذ هو يفيد الصحة والحساب وثاقة الدلالة إذ كان العلم به ضروريا غير مفتقر إلى التجربة اه . ( وبهذا يتبين ) ويتضح ( أن أشرف العلوم ) مطلقا علم الدين بأنواعه وأجلها ( العلم باللّه ) تعالى أي : بوحدانيته وقيوميته وأنه موجد الأشياء كلها ومسبب الأسباب بأسرها ( وملائكته ) بأنهم عباد اللّه المعصومون لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة وأنهم الوسائط في الإفاضات ( وكتبه ) بتصديق ما أنزل فيها من الأحكام والقصص والأمثال ( ورسله ) بأنهم أمناء اللّه على خلقه في تبليغ ما أمروا به ، ( والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم ) فإن حكم ذلك كحكم أصله ، ( فإياك وأن ترغب إلا فيه ) وأن تميل إلا إليه ( و ) أن ( تحرص إلا عليه ) ، وأن تحوم إلا حول حماه فهو رأس مالك وإليه مآلك ، وأورد ابن القيم هذا البحث في كتابه مفتاح دار السعادة بأبسط من ذلك فقال : شرف العلم تابع لشرف معلومه ، ولا ريب أن العلم باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات ، فكما أن العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها ، كما أن كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق ومفتقر إليه في تحقق ذاته إليه ، فالعلم به أصل كل علم كما أنه سبحانه رب كل شيء ومليكه وموجده ، ولا ريب أن كمال العلم بالسبب التام وكونه سببا يستلزم العلم بمسببه ، كما أن العلم بالعلة التامة ومعرفة كونها علة مستلزم العلم بمعلولها ، وكل موجود سوى اللّه فهو مستند في وجوده إليه استناد المصنوع إلى صانعه والمفعول إلى فاعله ، فالعلم بذاته سبحانه وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه ، فمن عرف اللّه عرف ما سواه ، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 528 | مرتضى الزبيدي