ثم يزدري ما يسمعه على وفقه يزعم أنه من ترهات الصوفية ، وان ذلك غير معقول فينبغي أن تتئد في هذا فعنده ضيعت رأس المال ، فكن حريصا على معرفة ذلك السر الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين ولا يرشدك إليه إلا حرصك في الطلب .
وعلى الجملة ، فاشرف العلوم وغايتها معرفة اللّه عز وجل وهو بحر لا يدرك منتهى غوره ، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ثم الأولياء ثم الذين يلونهم ، وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتقدمين في مسجد وفي يد أحدهما رقعة فيها . إن
شرح
ثم يرد ( ما يسمعه على وفقه ) ولا يعتبره ولا يقيم له رأسا ، ( ويزعم أنه من ترهات الصوفية ) وخرافاتهم ، والترهات : الأباطيل ، ( وإن ذلك غير معقول ) أي غير داخل في العقل ، وفي نسخة : غير مقبول ، ( فينبغي ) لك أيها الطالب ( أن تتئد ) أي تتأنى ( في هذا ) المقام والق سمعك لفهمه ( فعنده ضيعت ) وفي نسخة : ضيعة ( رأس المال ) وهو مثل ضربه فإن من ضيع رأس ماله لم يستفد شيئا ، ( فكن ) أيها الطالب ( حريصا على معرفة ذلك السر ) الذي فضل به أبو بكر على العالمين ( الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين ) لكونه غير محتاج إلى تركيب الأدلة والبراهين ، وإنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من شاء من عباده بعد تطهيره من الخبائث الظاهرية والمعنوية . ونقل صاحب القوت عن بعض العارفين قال : من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار ، ومن كان توحيده في الدنيا معلقا بمعقوله لم يحمل توحيده معه إلى اليقين ، ( فلا يرشدك إليه إلا حرصك في الطلب ) وهمتك في إنشاد هذه الضالة ممن درج ودب .
( وعلى الجملة فأشرف العلوم ) على الإطلاق ( وغايتها ) التي تنتهي إليها الهمم ( معرفة اللّه عز وجل ) عارية عن شوائب الحجج والبراهين ( وهو بحر لا يدرك منتهى قعره ) قد تاهت فيه ألباب العارفين ، وكل منهم نال فيه مقاما بحسب همته وقوته وتطهيره وتقربه وليس كل معرفة معرفة ، ألا ترى إلى الذي رأى اللّه تعالى سبعين مرة فقيل له : لو رأيت أبا يزيد لأغناك عن رؤيتك اللّه تعالى ، فتعجب من هذا القول ، فلما وقع بصره عليه ظهر له سر المعرفة على غير الوجه الذي كان عرف فاندهش ولم يتحمل فمات لوقته ، وسبب هذا صدقه في مقام المعرفة وسيأتي هذا للمصنف في آخر الكتاب وتقدم الإيمان إليه في خلال فصول المقدمة .
( وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ) صلوات اللّه عليهم إذ هم الفائزون بالقدح المعلى في ذلك ، ( ثم الأولياء ) ودخل فيهم الصديقون ، ( ثم الذين يلونهم ) من العلماء على حسب درجاتهم ومقاماتهم ، فأولئك الذين صفى قلبهم بنور اليقين ، وأيد عقلهم بالتوفيق والتمكين ، وتجرد هممهم من تعلق الخلق وتأله سرهم بالعكوف على الخالق ، وخلت نفوسهم عن الهوى ، وسرت أرواحهم فجالت في الملكوت الأعلى فشهدوا على الكشف أوصاف ما عرفوا فقاموا حينئذ بشهادة ما عرفوا . ( وقد ) روي أنه ( رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتقدمين )