إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 522
الرباطات والثغور ولكل واحد رتبة وله بحسب درجته أجر في الآخرة إذا قصد به وجه اللّه تعالى . ( الوظيفة السادسة ) : أن لا يخوض في فنّ من فنون العلم دفعة ، بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم . فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمة ويصرف جمام قوّته في الميسور من علمه ، إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة . أعني قسمي المعاملة حفظا لحوزة الإسلام كيلا يهجم عليه العدو غرة ، ( ولكل واحد ) من هؤلاء الطلبة ( رتبة ) معلومة ( وله بحسب درجته ) واجتهاده ( أجر ) عند اللّه ( في الآخرة إذا قصد به وجه اللّه ) تعالى ، فان قصد به المباهاة أو مفاخرة أو التوثب في المجالس فليس له ثواب عند اللّه تعالى وتعبه ضائع ، وهذا السياق بعينه لصاحبه الذريعة كما سيأتي نص حروفه في آخر الوظيفة التي تليها ، وقد فرقها المصنف في الموضعين كما ترى وستقف عليه أن شاء اللّه تعالى . [ الوظيفة السادسة أن لا يخوض في فنّ من فنون العلم دفعة ] ( الوظيفة السادسة ) ، من وظائف المتعلم التسعة . اعلم ( أن العمر ) ولو طال ( إذا كان لا يتسع لجميع العلوم ) أي لتحصيلها على طريق الحصر والاستيعاب ( غالبا ) كما هو مشاهد ولو مارسه ألف سنة ، ( فالحزم ) كل الحزم أي الرأي الوثيق ( أن يأخذ ) الطالب في أثناء طلبه ( من كل شيء أحسنه ) ، والأخذ أعم من التلقي والكتابة والحفظ ، فيتلقى من كل علم أحسنه ، ويكتب منه أحس ما يكتب مما ينتفع به هو وغيره ، ويحفظ منه أحسن ما يحفظ وأنفعه ، وإليه يشير قول القائل : ما حوى العلم جميعا أحد * لا ولو مارسه ألف سنة إنما العلم كبحر زاخر * فخذوا من كل شيء أحسنه ( ويكتفي منه بشمة ) أي بقليل مما يكون له معينا وزاد للآخرة ، وفي الذريعة للراغب : من كان قصده الوصول إلى جوار اللّه تعالى وتوجه نحوه كما قال تعالى : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) [ الذاريات : 50 ] وكما في الحديث : « سافروا تغنموا » فحقه أن يجعل أنواع العلم كزاد موضوع في منازل السفر ، فتناول منه في كل منزل قدر البلغة فلا يعرج على تقصيه واستفراغ ما فيه فتقصي الانسان نوعا واحدا من العلوم على الاستقصاء يستفرغ عمرا بل أعمارا ، ثم لا يدرك قعره ولا يسبر غوره ، وقد نبهنا الباري تعالى على أن نفعل ذلك بقوله : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) [ الزمر : 18 ] وقال علي رضي اللّه عنه : العلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه . وقال الشاعر : قالوا خذ العين من كل فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين ( ويصرف جمام قوته ) بكسر الجيم أي كل قوته وتمامها ( في الميسور من علمه ) أي مما تيسر منه ( إلى ) متعلق بيصرف أي يصرف جمام قوته إلى ( استكمال العلم الذي هو أشرف