أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته ، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه وإلّا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية ، فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله ، فإن الناس أعداء ما جهلوا . قال تعالى :
( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ )
. [ الأحقاف : 11 ] .
شرح
المحمودة ) الذي تقدم ذكرها ( ولا نوعا من أنواعه ) ، والفن في الأصل اسم للغصن من الشجرة ويطلق ويراد به النوع فهما مترادفان ( إلا وينظر فيه ) بتدبر وتأمل ( نظرا يطلع به على مقصده ) الذي اشتمل ذلك الفن عليه ( وغايته ) التي ينتهي إليها ، وإنما اقتصر عليهما لأنه بهما يدرك شرف الفن ، فتارة بالمقصد ، وتارة بالغاية فلا بد من الاطلاع عليهما ؟ ( ثم إن ساعده العمر ) بأن طال والوقت بأن صفا ( طلب التبحر ) أي التوسع ( فيه ) ولا بأس بذلك ( وإلا ) أي إن لم ير مساعدة العمر والوقت بأن خاف على نفسه بالموت العاجل أو ابتلى بالمحن والأكدار ( اشتعل بالأهم ) فالأهم ( فاستوفاه ) فهما وحفظا ومدارسة ( وتطرف من البقية ) أي أخذ منها الطرف والنوادر المحتاج إليها في حال طلبه ، ( فإن العلوم ) وإن تفاوتت ( متعاونة ) يعين بعضها بعضا ( وبعضها مرتبط بالبعض ) ارتباطا كليا تارة . وجزئيا أخرى ( ويستفيد من ذلك في الحال ) أي عند معرفته ولو على المشاركة ( الانفكاك ) أي الانفصال ( عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله ) وهذا أقل المراتب فيه ، ( فان الناس أعداء ما جهلوا ) يروى ذلك من قول سيدنا علي رضي اللّه عنه . ( قال اللّه تعالى :وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ )[ الأحقاف : 11 ] . المراد بهم قريش ، وقيل : بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع ، وقيل : اليهود على اختلاف في ذلك ، والاهتداء هنا التوفيق أي إذ لم يوفقوا بالإيمان وبما أتى به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فسيقولون ( هذا إفك قديم ) والافك لغة صرف الشيء عما يحق أن يكون عليه ، والمراد هنا أشد الكذب . والقديم : السابق . وهو مثل قولهم ( أساطير الأوّلين ) .
وفي كتاب الذريعة للراغب حق الانسان أن لا يترك شيئا من العلوم أمكنه فيه واتسع العمر له وينجر بشمه عرفه وبذوقه طيبه ، ثم إن ساعده القدر على التغذي به ، وإلّا لم يصر بجهله بمحله وغباوته عن منفعته إلا معاديا له بطبعه ، كما قال القائل وأنشد البيت الآتي ثم قال : ومن جهل شيئا عاداه والناس أعداء ما جهلوا ، بل قال اللّه تعالى :( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ).
وحكي عن بعض فضلاء القضاة أنه رؤي بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة ، فقيل له في ذلك . فقال : وجدته علما نافعا فكرهت أن أكون بجهلي معاديا له ، ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم ، بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه ، ومنزله الذي يستوجبه ، ويشكر من هداه لفهمه وصار سببا لعلمه ، فقد حكي عن بعض الحكماء أنه قال : يجب