قال الشاعر :
ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا
فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى اللّه تعالى ، أو معينة على السلوك نوعا من الإعانة ، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود والقوّام بها حفظة كحفاظ
شرح
أن نشكر أيادي الذين ولدوا لنا الشكوك إمتنانا لمن حرك خواطرنا بالنظر في العلم عن شكر من أفادنا طرفا من العلم ، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم . فضلا عن مصالح أخراهم ، فمن تأمل حكمة اللّه تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض جمع بين سكينين مركبا على وجه يتوافى أحدهما على نمط واحد للقرض أكثر تعظيم اللّه وشكره وقال :( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ )[ الزخرف : 13 ] .
( وقال الشاعر ) وهو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي الكوفي في قصيدة له لامية خمسون بيتا يمدح بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي ، وقبل هذا البيت :أرى المتشاعرين عزوا بذمي * ومن ذا يحمد الداء العضالا
( ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا )أي لا يعادي الانسان شيئا إلا بعلة ناشئة منه هي المانعة له عن محبته إياه . ألا ترى إلى الماء الزلال وهو البارد العذب الصافي إذا شربه من به غلبة الصفراء أو مريض آخر يغير لذة الفم ، فإنه يجده مرا على غير صفته ، فهذا الوجدان راجع إلى الشارب والمشروب على صفته لم يتغير .
وقال شارح الديوان : هذا مثل ضربه يقول مثلهم معي كمثل المريض مع الماء الزلال يجده مرا لمرارة فمه ، كذلك هؤلاء يذمونني لنقصانهم وجهلهم لفضلي ، فالنقص فيهم لا فيّ ولو صحت حواسهم لعرفوا فضلي .
( فالعلوم ) كلها ( على ) تفاوت ( درجاتها ) على أقسام ( إما سالكة بالعبد إلى اللّه عز وجل ) سلوكا حقيقيا كعلم معرفة اللّه سبحانه وما يتعلق به ، ( أو معينة له على السلوك ) إلى اللّه تعالى كل الإعانة ، أو ( نوعا من الإعانة ) .
فالأول : كمعرفة الخواطر وما يرد عليها من الهواجس الملكية والشيطانية إذ بتفريغ باطنه عن الهواجس تكون فيه القابلية لمعرفة اللّه تعالى .
والثاني : كعلم الأعراب ( ولها منازل ) ودرجات ( مرتبة ) ترتيبا غريبا ( في القرب والبعد من المقصود ) الأعظم ، فمنها ما يقرب من المقصود قربا كليا لشدة الارتباط بينهما ، ومنها ما يقرب قربا جزئيا ، وكذلك في البعد ، ولكل من هذه المراتب مراتب ( والقوّام بها ) أي القائمون بخدمتها وتحصيلها ( حفظة ) لحوزتها يمنعون عن تطرق الخلل والفساد إليها فهم قائمون بإزائها واقفون على حدودها ( كحفظة الرباطات والثغور ) وهي المواضع التي فيها المجاهدون