تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
وإهمال ، وهيهات فذلك مرابطة القلب في عين الشهود والحضور وملازمة الذكر الذي هو أفضل الأعمال على الدوام وتشبه الضعيف بالقوي فيما يرى من ظاهره أنه هفوة يضاهي اعتذار من يلقى نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل بأن أضعاف هذه النجاسة قد يلقى في البحر والبحر أعظم من الكوز فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز ، ولا يدري المسكين أن البحر بقوّته يحيل النجاسة ماء فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته ،
شرح
ويشير إليه قول الجنيد رحمة اللّه تعالى كما سبق طريقتنا هذه مربوطة بالكتاب والسّنة ، ومن هنا قال بعض السادة : بدايتنا نهاية غيرنا ( فيتراءى للناظر ) في أوّل وهلته ( انها ) أي تلك الحالة ( بطالة وكسل ) وفتور عن الأعمال المأمور بها ، ( واهمال ) لأصل العبادات ، ( وهيهات فذلك ) الذي هو عليه هو بعينه ( مرابطة للقلب ) الصنوبري عن حضور ما سوى اللّه تعالى ( في عين الشهود ) الإلهي ( والحضور ) القربى ، فهو قائم مع الحقيقة وملحظه الفضل والتزام الحرمة كما هو شأن أهل النهاية ، كما أن شأن أهل البداية القيام مع الشريعة ومبنى أمرهم على المجاهدة والخدمة ، وشتان بين مقامي المجاهدة والمنّة ، فصاحب المجاهدة غارق في الفرق وهو بمعاملته محجوب ، وصاحب المنة غارق في الفضل وهو في سائر حركاته وسكناته محبوب إن نطق فباللّه وإن عمل فلله وإن رجع فمن اللّه وإن ذهب فإلى اللّه ، فهو باللّه وللّه ومن اللّه وإلى اللّه لا يعرف إلا اللّه ولا يشهد إلا اللّه كما قيل : من عرف اللّه شهده في كل شيء فيستوحش من كل شيء ويأنس به كل شيء صار مشهودا له معنى :( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )[ البقرة : 75 ] سجية وحقيقة( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ )[ الحديد : 4 ] منطوية في قلبه ( وملازمته للذكر ) والتفكير ( الذي هو أفضل الأعمال ) للعبد ( على الدوام ) لما ورد من طرق ضعيفة تفكر ساعة خير من عبادة الثقلين ، وهذه هي العبادة الباطنية التي كانت عليها كمل الأصفياء :( وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ )[ النحل : 88 ] ولقد كانت الصحابة رضوان اللّه عليهم يتفكرون ويتذكرون . وقد روى الأصبهاني في ترغيبه ، وأبو نعيم في الحلية من طريق شهر ابن حوشب ، عن ابن عباس انه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج على أصحابه فقال : « اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته . فقال : « تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في اللّه فإنكم لن تقدروا قدره . » ( وتشبه الضعيف بالقوي فيما يرى من ظاهره أنه هفوة ) ونقص مقام ( يضاهي ) أي يشابه ( اعتذار من يلقى نجاسة يسيرة ) أي قليلة ( في كوز ماء ) مثلا ( بأن أضعاف هذه النجاسات ) على كثرتها ( قد يلقى في البحر ) ويرمى فيه فلا يكدره ، ( و ) لا شك أن ( البحر أعظم من الكوز ) جرما وأكثر ماء ( فما جاز للبحر ) من عدم حمله للنجاسة ( فهو للكوز أجوز ) أي أكثر جوازا . ولعمري هذا قياس لكنه باطل ( ولا يدري المسكين أن البحر لقوّته ) وسعته ( يحيل النجاسة ماء ) بتلاشي أجزائها ( فتنقلب النجاسة باستيلائه ) أي غلبته وقوّته يعني البحر ( إلى صفته ) أي البحر التي هي الطهورية في نفسه والتطهير لغيره ، ( والقليل من النجاسة يغلب ) الماء الذي في ( الكوز ) لضعفه ( ويحيله إلى صفته ) التي هي