ظن بعض الضعفاء أن الاقتداء بالأقوياء فيما ينقل عنهم من المساهلات جائز ، ولم يدر أن وظائف الأقوياء تخالف وظائف الضعفاء . وفي ذلك قال بعضهم : من رآني في البداية صار صديقا ومن رآني في النهاية صار زنديقا . إذ النهاية ترد الأعمال إلى الباطن وتسكن الجوارح إلا عن رواتب الفرائض ، فيتراءى للناظرين أنها بطالة وكسل
شرح
حرم اللّه تعالى في الابتداء لحم الخنزير لأنه تعالى أراد أن يقطع العصمة بين العرب وبين الذين كانوا يشككونهم باجتماعهم معهم من اليهود والنصارى ، فحرم على المسلمين ذلك إذ هو معظم مأكولاتهم ، وعظم الأمر في تناوله ومسه لينتهي المسلمون عن الاجتماع في المؤاكلة والانس . وقال عليه السلام في المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما لذلك ، وأما الحكيم فإنه لا بأس بمجالسته أياما فإنه جار مجرى سلطان ذي عدة وأجناد وعتاد لا يخاف عليه العدو وحيثما توجه الاستماع إلى الشبه ، بل أوجب عليه أن يتبع بقدر جهده كلامهم ويسمع شبههم ليجاهدهم ويدافعهم ، فالعالم أفضل المجاهدين الذابين عن الدين ، فالجهاد جهادان . جهاد باللسان وجهاد بالبنان ، ولما تقدم سمى اللّه تعالى الحجة سلطانا في غير موضع من كتابه كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ )اه . [ الدخان : 19 ]
( ومن الغفلة ) الظاهرة ( عن هذه الدقيقة ) الفاخرة ( ظن بعض الضعفاء ) أي ضعفاء العقول ( أن الاقتداء ) أي الاتباع ( بالاقوياء ) أي أصحاب القوى الراسخة ( فيما ينقل عنهم ) ويروى ( من المساهلات ) في الأعمال والأقوال ( جائز ولم يدر ) وفي نسخة : ولم يدرك ( أن وظائف الأقوياء تخالف وظائف الضعفاء ) ، وذلك بحسب اختلاف مقاماتهم وقربهم من الحضرة وبعدهم ، فكما لا يقاس أحدهما بالآخر فكذلك لا تقاس وظائفهما ، ( ولذلك قال بعضهم ) أي من العارفين : ( من رآني ) أي أبصرني بعين اعتباره مع الاتباع لطريقتي ( في البداية ) أي في أوّل السلوك ( صار صديقا ) أي بلغ هذه المرتبة العلية وهي مرتبة التكاليف الشاقة ، ( ومن رآني في النهاية ) أي في منتهى سلوكي ( صار زنذيقا ) ثم علله بقوله : ( إذ النهاية ترد الأعمال إلى الباطن ) فتكون العبادة كلها تفكرا . ونقل السراج البلقيني في شرحه على البخاري قولا لبعض : في أن عبادته صلّى اللّه عليه وسلّم كانت الفكر ، وقال غيره : معنى قولهم ( ان النهاية ترد الأعمال إلى الباطن ) أي يشتغل السالك حينئذ بالأذكار القلبية والافكار في الصفات الإلهية والمصنوعات الآفاقية والانفسية والتهذيب بالأخلاق السنية والشمائل البهية من الرحمة والتحمل والصبر والشكر والرضا والتفويض والتوكل بحال الفناء ومقام البقاء ، وهذا مقام كمل الأصفياء ( وتقبض الجوارح ) وفي نسخة : وتسكن عن سائر الأعمال الشاقة ( إلا عن رواتب الفرائض ) . وقد قيل بداية الأنبياء نهاية الأولياء . هذا هو المعروف عند السادة الصوفية ، وأما ما نقل عن بعضهم في أن بداية الولي نهاية النبي ، فإنما هو باعتبار التكاليف الشرعية من الأوامر الفرضية في الزواجر المنهية فلما لم يتصف السالك بما إنتهى أمر دينه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يدخل في باب الولاية ولا يكون له حظ من حسن الرعاية وحفظ الحماية ، وهو تأويل حسن إن صح هذا القول عنهم ،