تعالى لكثرة حجبهم التي بينهم وبينه ، فهذا معنى قول أبي تراب وليس مراده أن رؤية أبي يزيد أفضل من رؤية اللّه تعالى لمن يعرفه فافهمه واللّه أعلم .
ومما أنكروا عليه أيضا في حكايته عن ابن الكريتي شيخ الجنيد أنه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فشتّ قلبي ونفر مني فدخلت الحمام وسرقت ثيابا فاخرة ولبستها ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت ، فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني وأخذوا مني الثياب وصفعوني وسموني لص الحمام فسكنت نفسي . قال الغزالي : فهكذا كانوا يروضون نفوسهم حتى يخلصهم اللّه تعالى من فتنة النظر إلى الخلق ومراعاتهم لهم ، ثم أهل النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم بذلك ، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام ، قال ابن القيم : سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء ، فليته لم يحك فيه مثل هذه الأمور التي لا يحل لأحد السكوت عليها ، والعجب أنه يحكي هذه الأمور ويستحسنها ويسمى أصحابها أرباب الأحوال وأي حالة أقبح من حال من خالف الشريعة ورأى المصلحة في النهي عن اتباعها ، وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي ، ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ، فإن في نص الإمام أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ، ثم أين أرباب الأحوال أولا حتى يعمل العبد على وفاقهم من الرياضة . كلا واللّه أنها شريعة لو رام مثل أبي بكر رضي اللّه عنه أن يخرج عنها لما وجد لذلك مساغا ، ولو أنه خالفها وعمل برأيه لكان عمله مردودا عليه إذ الحقّ تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان على وفق الشريعة المطهرة . قال : وتعجبي من هذا الفقيه الذي استلب التصوف علمه وعقله أكثر من تعجبي من هذا المستلب للثياب من الحمام ، فيا ليت أبا حامد بقي مع قواعد الفقه ، واستغنى عن هذه الهذيانات . والجواب عن هذا كله كما سبق قريبا أن القوم مجتهدون في أحكام الطريق ، فكلما رأوه أصلح لقلوبهم عملوا به ، وذلك من باب تعارض المفسدتين ، فيجب ارتكاب الأخف منهما . وأما ما يترتب على ذلك الفعل شرعا فقد جربوا حمايتهم من وقوع العقوبة لهم بسبه بل تعرفهم الناس بعد ذلك ، ويقبلون أيديهم فاعلم ذلك .
قلت : وقد نقل الغزالي مثل هذه الحكاية التي جرت في الحمام لابن الكريتي عن إبراهيم الخواص ، وأنكر عليه ابن القيم كإنكاره من الأول ، وتعجب من أبي حامد وقال : فيا ليته لم يتصوف . والجواب واحد وإن للفقير أن يداوي قلبه ببعض المحرمات ليدفع عنه محرما آخر هو أشد منه قياسا على مداواة الأجسام والأمراض إنما تداوى بأضداد عللها وأين هلاك الأبدان من هلاك القلوب .
ومما أنكروا عليه أيضا في تقريره الشبلي على رمي ما كان معه من الدنانير في الدجلة ، وقال :
ما أعزك عبد إلا أذله اللّه تعالى . وقال ابن القيم : وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من هؤلاء الجهلة بالشريعة كيف يحكي ذلك عنهم على وجه المدح لهم لا على وجه الإنكار ، وأي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 52
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٥٢