ذلك محال فلا اعتراض على الغزالي ولا لوم عليه في قوله بأخذ الإشارات من الإشعار وغيرها ، فإن كل ما في الوجود دليل على اللّه تعالى ، فلا فرق بين أن يأخذ تلك الإشارات المحركة للوجد من نفسه أو من غيره كله على حد سواء ، وتقدم أن القوم يتكلمون غالبا بلسان السكر والشوق لا بلسان الصحو والعلم ، وأن جميع ما تجده في كلامهم لا ينبغي لنا إنكاره إلا إذا وجدنا أحدهم صاحيا من سكر الحال ، فهذا ما تيسر بيانه مما أنكر على أبي حامد الغزالي في كتابه الإحياء ، وهم أي المنكرون من طوائف شتى ما بين مغاربة ومشارقة ومالكية وشافعية وحنابلة ، فمن الأولى ابن العربي والمازري والطرطوشي والقاضي عياض وابن المنير ، ومن الثانية ابن الصلاح ويوسف الدمشقي والبدر الزركشي والبرهان البقاعي ، ومن الثالثة ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم وآخرون ، وقد أوردنا اعتراضاتهم وبينا وجه الجوابات والاعتذار عن الغزالي حسبما نقلناه عن الإثبات المتقنين ، وأما المحبون لطريقته والمهتدون بهديه فكثيرون وجلالة قدره وفخامة كتابه أشهر من الشمس في رابعة النهار ، وما أحاط بمقام كتابه إلا من أفاض اللّه على قلبه الأنوار إذ كتابه متكفل ببيان العلوم الشرعية التي هي علم العقل ، وعلم الأحوال ، وعلم الأسرار ، وما فيه من علم الأحوال فلا سبيل إلى معرفته إلا بالذوق ، ولا يقدر عاقل على ذوقه ولا وجدانه ، ولا أن يقيم على معرفته دليلا وهو متوسط بين علم العقل وعلم الأسرار وهو إلى علم الأسرار أقرب منه إلى علم العقل النظري ، ولا يكاد يلتذ به إذا جاء من غير نبي إلا أصحاب الأذواق السليمة ، وعلامة هذا الذوق كونه خارجا عن موازين العقول عكس العلم المكتسب إذ العلم المكتسب من شأنه أن يكون داخلا في ميزان العقول ، ولذلك لا تتسارع الناس إلى إنكاره وعلم الأذواق لما كان خارجا عن موازين العقول تسارعت الناس إلى إنكاره ورده ، وهذا القدر كاف في بيان المقصود ، واللّه أعلم .
عود وانعطاف إلى بيان ما يتعلق بكتاب الإحياء بيان من خدم الإحياء :
لم أر من شرح هذا الكتاب ولا تعرض أحد لإيضاح سياقه المستطاب إلا ما كان من المصنف نفسه لما بلغه إنكار بعض المنكرين على مواضع منه كتب في الرد عليهم كتابا صغيرا سماه :
الأملاء على الإحياء ، وسيأتي ذكره في تعداد مصنفاته ، وإنما خرج أحاديثه الإمام الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي رحمه اللّه تعالى في كتابين . أحدهما كبير الحجم في مجلدات وهو الذي صنفه في سنة 751 ، وقد تعذر الوقوف فيه على بعض أحاديثه ، ثم ظفر بكثير مما عزب عنه إلى سنة 760 ، ثم اختصره في مجلد وسماه : « المغني عن حمل الأسفار » اقتصر فيه على ذكر طريق الحديث وصحابيه ومخرجه وبيان صحته وضعف مخرجه ، وحيث كرر المصنف الحديث اكتفى بذكره في أول مرة ، وربما أعاده لغرض من الأغراض ، ثم أتى تلميذه الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني فاستدرك عليه ما فاته في مجلد ، وصنف الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي كتابا سماه « تحفة الأحياء فيما فات من تخريج أحاديث الإحياء » ، ولابن السبكي