رائحة بقية من الفقه عند أبي حامد حتى يكتب عنه شيء من العلم ، فإن الفقهاء كلهم يقولون أن رمي المال في البحر لا يجوز ، والجواب قد تقدم مرارا أن أهل الطريق مجتهدون في أحوالها ، وأن من قواعد أهل الشريعة ارتكاب أخف الضررين إذا تعارض معنا مفسدتان ، وقد تعارض هنا أمران . أحدهما : مفسدة الدين فقدموه على المفسد للدنيا فافهم واللّه أعلم .
ومما أنكروا عليه أيضا ما حكاه عن شقيق البلخي إنه رأى مع شخص رغيفا ليفطر عليه من صومه فهجره وقال : تمسك رغيفا إلى الليل . قال ابن القيم : انظروا إلى هذا الجهل العظيم بالشريعة كيف يفعل محرما لأجل أمر مباح ، وكيف يجوز هجر المسلم بغير سبب مسوّغ لذلك ، والذي عندي أن هؤلاء لما قل علمهم بالشرع صدرت منهم هذه الأقوال والأفعال المخالفة للشريعة ، وقد كان يحيى بن يحيى يقول عندي ان مخالفة الصوفية من جملة طاعة اللّه عز وجل ، ولكن اصطلح الذئب والغنم ، وقد أنكر الفقهاء بمصر على ذي النون ، وأخرجوه من إخميم إلى الجزيرة إلى بغداد ، وكذلك أنكروا على أبي يزيد البسطامي ؟ وعلى أبي سليمان الداراني ، وأحمد بن أبي الحواري ، وسهل التستري وغيرهم . كل ذلك لما كانوا يقعون فيه من مخالفة ظاهر الشرع ، قال :
وكانت الزنادقة في العصر الأوّل يكتمون حالهم ولم يتجاسروا على اظهار ما عندهم حتى جاءت الصوفية ، فرفضوا الشريعة جهرا وتستروا بمسمى الحقيقة ، وصاروا يقولون هذا شريعة وهذا حقيقة وهذا من أقبح الأمور لأن الشريعة قد وضعها الحق تعالى لمصالح العباد في الدارين ، فما الحقيقة بعد ذلك إلا القاء الشيطان في النفس ، وقد تمادى هؤلاء الجهلة في غيهم حتى صار أحدهم يقول : حدثني قلبي عن ربي ؟ وفي ذلك تصريح بالاستغناء عن بعثة الرسل وهو كفر وهي حكمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة ، ولكن قد صار الخوارج عن الشريعة كثيرا بالسكوت على هؤلاء الجهال الذين سموا نفوسهم صوفية وأطال في ذلك . والجواب : أما هجر شقيق لمن أمسك الرغيف إلى آخر النهار فهو جائز ليخرجه من ورطة الحرص وطول الأمل والوقوع في رائحة الاتهام للحق جل وعلا في أنه يضيعه ويميته جوعا إذا لم يمسك الرغيف ، ولو أنه قوي يقينه لكان تركه إمساك الرغيف وطلبه وقت الحاجة إليه فقط ، واستراح من الوقوع في الحرص والشك في أن اللّه تعالى يضيعه ، فإن ذلك الرغيف لا يخلو إما أن يكون مقسوما له فلا يقدر أحد أن يأكله فهو ولو رماه في السوق يعود إليه ، وإما أن لا يكون مقسوما له فأي فائدة في إمساكه ، فإنه إذا أمسكه إلى وقت الفطر لا يقدر على أكله بل يأكل غيره فتأمل ، ثم إن العلة في تحريم الهجر إنما هو الأذى للمسلم بغير طريق شرعي كائن يكون لحظ نفس ، وأما هجر الشيخ للمريد ليقبح في عينه المباح الذي يجره إلى حرام فلا منع منه لأنه بطيب نفس من الشيخ والمريد ، وقد كان تابعه على امتثال أمره والرضا بما يفعله معه من العقوبات على أعماله الرديئة فافهم .
وأما قول ابن القيم : إن مخالفة الصوفية من طاعة اللّه فهو في غاية القبح ، فإن حقيقة الصوفي أنه عالم عمل بعلمه على وجه الإخلاص ، فكيف يكون مخالفة مثل هذا في أفعاله وأقواله من طاعة اللّه تعالى والاطلاق في محل التفصيل خطأ ، وكان الواجب عليه أن يقول أن مخالفة من انتسب إلى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 53
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٥٣