فرضي بقضاء ربه ، ولم يطلب رجوع ولده ليتساوى وجود ولده وعدمه عنده في أي مكان كان ، ولا فرق بين كونه في داره أو أقصى الأرض ، لأنه عبد اللّه تعالى لا عبد لولده فافهمه .
ومما أنكروا عليه أيضا قوله في الإحياء : كان بعض الشيوخ في بدايته يكسل عن قيام الليل فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتصير نفسه تجيبه إلى قيام الليل اختيارا ، وكذلك عالج بعضهم حب المال فباع جميع أمتعته ورمى ثمنها في البحر خوفا من أن يقع في حب تزكية الناس له ووصفه بالجود أو الرياء في فعلها المذكور ، ولذلك كان بعضهم يستأجر من يشتمه على رؤوس الأشهاد ليعوّد نفسه الحلم ، وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليعود نفسه الشجاعة ، وكان بعضهم إذا خاف لنوم يقف على رأس حائط عال حتى لا يأخذه النوم . قال المنكر : أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها ، ولكن كيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم ولم يزنها بميزان الشريعة ، وقبل أن يورد هذه الحكايات قال : ينبغي للشيخ أن ينظر حال المبتدىء فإن رأى معه مالا حاضرا زائدا عن حاجته أخذه فصرفه في الخير ، وفرغ قلب المريد منه حتى لا يلتفت إليه ، وإن رأى الكبر قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للحرفة والسؤال بالإلحاح ويكلفه المواظبة على ذلك ، وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في تعهد الأخلية وتنظيفها من القذر وملازمة المطبخ وكنس القاذورات ومواضع الدخان ، وإن رأى شره حب الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم ، وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا . قال ابن القيم : وإني لأتعجب من أبي حامد هذا كيف يأمر بهذه الأمور التي تخالف ظاهر الشريعة ، وكيف يحل لأحد أن يقوم على رأسه طول الليل ، وكيف يحل رمي المال في البحر ، وكيف يحل سب المسلم بلا سبب ، وهل يجوز لمسلم أن يستأجر من يشتمه ، وهل يجوز لأحد أن يقوم على رأس جدار عال ويعرض نفسه للوقوع بالنوم فتنكسر رقبته فيموت ، فما أرخص ما باع أبو حامد الفقه بالتصوّف الذي يراه . والجواب : أن أهل الطريق في جميع ذلك مجتهدون لا سيما في ترجيح الأعمال بعضها على بعض ، فكلما أدى اجتهادهم إلى أنه أرضى اللّه تعالى أو فيه تقريب للطريق على المريدين قدموه على أنه يحتمل أن الشيخ كان ممن أقدره اللّه تعالى على جمع ذلك المال الذي أمر مريده برميه في البحر ، وكذلك يحتمل أن الشيخ ما أمره بالوقوف على رأسه أو على رأس جدار إلا بعد أن علم قدرته على ذلك ولو بادمان سابق واللّه أعلم .
ومما أنكروا عليه أيضا حكايته عن أبي تراب النخشبي أنه قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية اللّه عز وجل سبعين مرة . قال ابن القيم : هذا الكلام فوق الجنون بدرجات . والجواب لا ينكر تقريره أبا تراب على مقالته لأن مراده أن ذلك المريد يجهل مقام الأدب والمعرفة للّه تعالى ، فهو لا ينتفع برؤيته ، ولا يصح أن يمنحه الحق تعالى بشيء من الآداب بخلاف رؤية أبي يزيد ، فإنها تعلمه طريق الأدب مع اللّه تعالى ومع خلقه ، فكانت أنفع له من رؤية ربه وهو لا يعرف أنه هو وهذا شأن أكثر الناس اليوم ، فلا يصح لهم الأخذ عن اللّه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 51
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٥١