ومما أنكروا عليه أيضا تقريره عن أبي الخير الأقطع التيناتي قوله : إني عقدت مع اللّه عهدا أن لا آكل شيئا من الشهوات ، فمددت يدي إلى ثمرة في شجرة فقطعتها ، فبينما أنا أمضغها إذ ذكرت العهد فرميت بها من فمي فدار بي فرسان ، وقالوا : قم وأخرجوني إلى ساحل بحر إسكندرية ، وإذا أمير وحوله خيل وجند ، فقالوا : أنت من اللصوص ، وإذا معهم جماعة من لصوص السودان فسألوهم عني فقالوا لا نعرفه ، فكذبهم الأمير وشرع يقدم يدا ويقطعها إلى أن وصل إليّ ، وقال لي : تقدم ومد يدك فمددتها فقطعت إلى آخرها . قال : قال المنكر فانظروا إلى هذا الجهل العظيم ما فعل بصاحبه ولو أن عند التيناتي رائحة علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على الزهاد والعباد أكثر من الجهل ، وما أظن غالب ما يقع لهؤلاء إلا من الماليخوليات . والجواب لا ينبغي الإنكار على أبي الخير ولا على الغزالي فإنهما مجتهدان في ذلك ، فرأيا أن نقض العهد عند الأكابر أعظم من سرقة ربع دينار ، وأيضا فإن مشهد الأكابر حضرة التقدير الإلهي ، فهم مع الذي قدر القطع لا مع الجلاد الذي يقطع اليد مثلا ، فكلام الغزالي في حق الأكابر وقول المنكر في حق الأصاغر ، فإنه كان يكفي عقوبة أحدهم أن بتوب ويستغفر من نقض العهد ، وليس له أن يمكن الجلاد من قطع يده ما أمكن ، لأن ذلك لم يأمر به الشرع واللّه أعلم .
ومما أنكروا عليه أيضا قوله : إن الاشتغال بعلم الظاهر بطالة . قال ابن القيم : هذا جهل مفرط منه ، وأصل ذم الصوفية العلم إنهم رأوا طريق الاشتغال به لا يوصلهم إلى الرئاسة إلا بعد طول زمان بخلاف طريقتهم المبتدعة من لبسهم الزي وصلاتهم بالليل وصيامهم بالنهار وتقصير الثياب والأكمام . والجواب لا ينكر عليه ذلك ، فإن مراده الاشتغال به على طريق الجدال بطالة بالنسبة إلى طريق العلماء العاملين ، لا أن مراده بطالة من كل وجه وكيف يظن به أن يريد ما فهمه المنكر وهو يعلم أن علم الشريعة هو أساس علم الحقيقة إذ الشريعة لها تقويم صور العبادات الظاهرة ، والحقيقة لها تقويم صور العبادات الباطنة بحيث تستحق أن يقبلها اللّه تفضلا منه ، وقد بلغنا أن الغزالي ما قال ذلك إلا في حق نفسه لما دخل طريق القوم ورأى كمالها وآدابها فقال : ضيعنا عمرنا في البطالة واللّه أعلم .
ومما أنكروا عليه أيضا قوله : أعلم أن ميل قلوب أهل التصوّف إنما هو إلى تحصيل العلوم اللدنية دون العلوم النقلية ، ولذلك لم يحضوا على دراسة العلم ولا تحصيل ما صنفه المصنفون وإنما حضوا على الاشتغال باللّه تعالى وحده والاشتغال بذكر اللّه فقط . إلى آخر ما قال : وعد المنكرون ذلك من جملة ما غلط فيه الغزالي وقالوا قد حث الشارع على طلب العلم ، فكيف يمدح من لم يحض على تحصيله من الصوفية وقالوا عزيز هذا الكلام أن يصدر من متشرع فإنه لا يخفي قبحه وهو كالطي لبساط الشريعة حقيقة ، ثم على هذا المذهب فقد فاتت الفضائل علماء الأمصار كلهم ، فإنهم لم يسلكوا طريق الصوفية على هذا النحو الذي ذكره الغزالي ، وإذا ترك الإنسان الاشتغال بعلم الشريعة خلت النفس بوساوسها وخيالاتها ولم يبق عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها إبليس أي ملعب . والجواب أن مراد الغزالي فيما حكاه عنهم إنما هو بعد إحكام الفقير
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 49
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٤٩