الصوفية وليس هو منهم طاعة وقربة إلى اللّه تعالى ليخرج أئمة الطريق ، وأما إنكاره على أهل الحقيقة وقوله : أن الشريعة كانت كافية عن الحقيقة فهو كلام صدر بلا تأمل ، فقد قدمنا أن الحقيقة غاية مرتبة الشريعة ، وذلك أن الناس في مرتبة الشريعة على مرتبتين . أحداهما : من عمل بالشريعة تقليدا من غير أن يصل إلى مقام اليقين . والثانية : من عمل بها بعد وصوله إلى مقام اليقين فليست الحقيقة بأمر زائد على الشريعة ، لأن الحقيقة هي الإخبار بالأمور على ما هي عليه في نفسها وهذا هو حقيقة الشريعة ، فإن الشارع لا يخبر إلا بالواقع فغاية أمر التصوّف الوصول بالرياضات والمجاهدات إلى مقام العلم واليقين ، وأما قوله : إن من قال حدثني قلبي عن ربي يكفر فليس بمسلم لقائله على الاطلاق ، إنما يكون كفرا لو قال أعطاني اللّه أمرا يخالف الشريعة وصار يتدين به ، وأما إذا أطلعه اللّه من طريق الإلهام والتحديث الذي هو مقام سيدنا عمر رضي اللّه عنه على أسرار الشريعة ودقائقها وعلى زيادة آداب في العمل بها فلا منع من ذلك ، وما بلغنا أن أحدا من الأولياء ادعى أنه خرج من التقليد للشارع ، أو خرج عن دائرة علمه صلّى اللّه عليه وسلّم أبدا ، بل كلهم مجمعون على أن جميع علومهم من باطن شرعه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يجوز لأحد منهم العمل بما فهمه منها إلا بعد عرضه على الكتاب والسنّة وموافقته لهما فاعلمه ، واللّه يغفر لابن القيم ما ظنه بالصوفية فإنه ذب على الشريعة بحسب فهمه .
ومما أنكروا عليه قوله : لا وجه لتحريم سماع الأصوات المطربة مع الضرب بالقضيب والتصفيق ، فإن آحاد هذه الأمور حلال ، فكذلك إذا اجتمعت تكون مباحة ولا دليل على تحريم السماع من نص ولا قياس ، وإذا كان الصوت موزونا فلا تحريم . قال ابن القيم : لقد نزل أبو حامد بهذا الاحتجاج عن رتبة الفهم الصحيح ، وإني لأتعجب من انسلاخه عن الفقه إلى مثل هذه الهذيانات . والجواب : أن الغزالي رحمه اللّه كان مجتهدا في مثل ذلك فلا لوم عليه من قوله بإباحة اجتماع هذه الأمور . قال ابن القيم : وقد بلغنا عن الغزالي ما هو أقبح من القول بإباحة الغناء مع الآلة المطربة وهو قوله : من أحب اللّه تعالى وعشقه واشتاق إلى لقائه فالسماع في حقه مؤكد لعشقه . قال ؛ وهذا خطأ لا يجوز اطلاق العشق على اللّه تعالى لأنه يقتضي مماسة العاشق للّه تعالى ، وذلك محال ثم أي توكيد لعشقه في نحو قول المغني :
ذهبيّ اللون تحسب من * وجنتيه النار تنقدح
وما وجه المناسبة بين الماء والطين ، وبين خالق السماوات والأرضين ، حتى يعشق تعالى اللّه عن قول هؤلاء الملحدين علوا كبيرا ، قال : ثم العجب من الصوفية بإباحة مثل ذلك مع دعواهم إنهم أعرف باللّه تعالى من غيرهم . هذا من أدل دليل على جهلهم باللّه تعالى . قال ؛ وكثيرا ما يقولون عن بعض الناس سلموا له حاله وليس لنا أحد من الخلق يسلم له ما يفعل إلا الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم لا غير لعصمته بخلاف غير المعصوم . والجواب : أنه لا إنكار على الغزالي وغيره في تسمية محبة اللّه عشقا لأنه لم يرد لنا نهي عن ذلك ، وأيضا ؛ فإن العشق أوائل مقدمات المحبة ، فلو سمينا العاشق للّه تعالى محبا له كان كذبا ، فالعاشق يطلب القرب من حضرة محبوبه لا الاتصال به ، لأنه يعلم أن