تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
علم الشريعة . فإنه حكى إجماع القوم على أنه لا ينبغي لأحد أن يدخل طريق القوم إلا بعد تضلعه من علوم الشريعة بحيث يصير يقطع علماء الشريعة بالحجج في مجلس المناظرة ، فلا ينبغي حمل مثل كلامه على أن مراده مدح الاشتغال بأحوال طريق القوم من غير تقدم عملهم للشريعة ، فإن ذلك أبعد من البعيد ، فالغزالي في واد والمنكر في واد واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه أيضا : في تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام :
( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ )
إن الأصنام هو الذهب والفضة وعبادتهما حبهما والاغترار بهما . قال ابن القيم : وهذا تفسير لم يقل به أحد من المفسرين . والجواب لا ينبغي أن ينكر عليه بسبب ذلك ، فقد ورد في الحديث : « تعس عبد الدينار والدرهم وعبد الخميصة » فسمى محب هذه الأمور عبدا لها مع أنها لا تعقل ولا تدري من يحبها ولا من يبغضها ، فكانت كالأصنام والعبادة في اللغة الميل للشيء والطاعة له . قال تعالى :
( يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ )
[ يس : 60 ] أي لا تطيعوه في وسوسته لكم بالسوء فلما كنى الحق تعالى عن طاعة إبليس بالعبادة له استعارة مجازية ، كذلك صح للغزالي استعارة العبادة للذهب والفضة الذي هو عبارة عن شدة محبتهما ومقاتلة الناس لأجلهما بجامع أن القلب يشتغل بهما عن اللّه تعالى ، كما يشتغل عباد الأصنام بها عن اللّه تعالى واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه تقريره في الإحياء قول سهل التستري أن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت النبّوة ، وأن للنبّوة سرا لو ظهر لبطل العلم ، وأن للعلماء باللّه سرا لو ظهر لبطلت الأحكام والشرائع . قال ابن القيم : انظروا إلى هذا التخليط القبيح ودعواه أن باطن الشريعة يخالف ظاهرها وذلك من الهذيان ، والجواب لا ينكر على سهل ولا على الغزالي لأن ما ذكراه إنما هو على سبيل الفرض والتقدير . أي أن اللّه تعالى في عباده وشرائعه أسرارا اختص بها دون خلقه لشدة حجابهم ، ولو رفع ذلك الحجاب لتساوى علمهم وعلم سيدهم ولا قائل بذلك ، ومن أراد أن يشم رائحة ما ذكرناه فلينظر إلى حضرة ربه سبحانه قبل خلقه الخلق سجدا أحدا فرادا لا ثاني معه يشهد أبدا ، ثم يستصحب هذا المشهد وهو نازل في المراتب من غير تخلل غفلة أو حجاب . وأكثر من هذا لا يقال ، وإذا لم يكن إلا واحد لا خلق معه ذهبت الرسالة والرسول لعدم وجود من تتوجه عليهم الأحكام ، فكان بقاء الرسالة وأحكامها بعدم كشف أسرار الربوبية فافهمه واللّه أعلم . وما أنكروا عليه أيضا قوله : ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له : لو سألت اللّه تعالى أن يردّه عليك ، فقال : اعتراضي عليه أشد من ذهاب ولدي . قال ابن القيم : لقد طال تعجبي من أبي حامد هذا كيف يحكي هذه الحكايات على وجه الاستحسان لها والرضا عن أصحابها ، ويعد الدعاء والسؤال للّه تعالى اعتراضا . لقد طوى هذا بساط الشريعة طيا إذ الدعاء مشروع بالإجماع . والجواب أن مراد الغزالي إن ذلك فيه معنى الاعتراض لا أنه اعتراض ، وإيضاحه أن الاعتراض يرجع إلى تمني غير ما سبق في علم اللّه عز وجل ، وقد سبق في علمه تعالى ضياع ولد هذا الصوفي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 50 | مرتضى الزبيدي