تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
للّه تعالى ما دام يحفظ أمر اللّه تعالى ، ولا تجلس أمامه وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته . ( الوظيفة الرابعة ) : أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة ؛ فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه عن الادراك والاطلاع ، بل ينبغي أن يتقن أوّلا الطريقة الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه ، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه . وإن لم يكن أستاذه مستقلا باختيار رأي واحد ، وإنما عادته نقل
شرح
المهمات الدينية أو الدنيوية ( سبقت القوم إلى خدمته ) وقضاء حاجته ، فهذه اثنتا عشرة جملة تضمنت الآداب وكشفت عن وجه الحق النقاب ، والمقصود من إيراد هذا الكلام هو الجملة الأولى المشتملة على النهي عن كثرة السؤال عليه ، ومفهومها أن كثرة السؤال ليس بممنوع ، وإنما الممنوع منه الكثرة الموجبة لملل المعلم ولحدوث الغرور في نفس المتعلم ، والمفهوم من سياق المصنف عدم المفاتحة بالسؤال عليه مطلقا فيما لم يأن أوانه ، ولعله فهم من قول سيدنا علي في النهي عن كثرة السؤال في مثل هذا واضرابه فتأمل . وأما بقية الجمل فإنها دلت كذلك على جملة من الآداب ساقها بتمامها لما فيها من الحكم والنصائح ، وقد اندرج بيانها في أثناء هذه الوظائف التسعة ، وقد اقتصر صاحب الذريعة على هذه الوظائف الثلاثة وزاد المصنف عليه ما سيأتي ذكره .

[ الوظيفة الرابعة : أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ]

( الوظيفة الرابعة ) من الوظائف التسعة ( أن يحترز الخائض في العلم ) أي الواغل في تحصيله وقد تقدم مرارا أن أصل الخوض هو الدخول في الماء ثم استعير لغيره ( في مبدأ الأمر ) أي في أوّله ( عن الأصغاء ) أي الاستماع والميل ( إلى اختلافات الناس ) وتشعب آرائهم ( سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا ) كهذه العلوم التي ولع المتأخرون بتحصيلها وسموها بزعمهم أسبابا موصلة إلى علوم الآخرة ، ( أو علوم الآخرة ) كعلم معرفة القلب وما يرد عليه وعلم محاسبة النفس والدقائق وغير ذلك ، ( فان ذلك ) أي النظر إلى اختلاف الناس فيه ( يذهل ) وفي نسخة : يذهب ( عقله ) بتشتته ( ويحير ذهنه ) بالوساوس ( ويفتر رأيه ) عن الاقبال إلى الحق ( ويؤيسه عن الإدراك ) الحقيقي ( والاطلاع ) لما هو بصدده ، وكل من الذهول والتحير وفتور الرأي واليأس من أسباب الحرمان للطالب ، ( بل ينبغي أن يتقن أولا الطريقة الواحدة ) أي يحكمها في عقله بقوة همته وصرف جهده إلى تحصيلها وهي ( المرضية عند أستاذه ) المقبولة لديه ، ( ثم بعد ذلك ) أي بعد اتقانها وحلولها في القلب قبل كل شيء كالأساس المحكم على حد قولهم :أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا( يصغي إلى ) معرفة اختلافات ( المذاهب ) وكيفية حججها ودلائلها ( والشبه ) وتقريرها