تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً )
[ الكهف : 67 ، 68 ] ثم شرط عليه السكوت والتسليم فقال :
( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً )
[ الكهف : 70 ] ثم لم يصبر ،
شرح
الخضر وهو بمجمع البحرين ، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى . وقيل : أن موسى سأل ربه : أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني قال : فأي عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى . قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ، فقال : إن كان في عبادك أعلم مني فدلني عليه . قال : أعلم منك الخضر . قال : أين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخر . قال : كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحين فقدته فهو هناك . ( حيث قال الخضر ) عليه السلام حين رحل إليه سيدنا موسى عليه السلام ليزداد علما إلى علمه . وقال لفتاه( أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً )[ الكهف : 60 ] حرصا منه على لقائه والتعلم منه ، فلما لقيه سلك مسلك المتعلم مع معلمه فبدأ بعد السلام بالإستئذان على متابعته وأنه لا يتبعه إلا بإذنه وقال له :( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً )[ الكهف : 66 ] فلم يجئ مستمحنا ولا متعنتا وإنما جاء متعلما مستزيدا علما إلى علمه فلما لقيه وعرفه بنفسه قال له الخضر : ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) نفي عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) أي كيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكر وبواطنها لم يحط بها خبرك ، وحينئذ قال في الجواب :( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً )أي معك غير منكر عليك( وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً )[ الكهف : 69 ] فعلق وعده بالمشيئة إما للتيمن أو لعلمه بصعوبة الأمر ، فإن مشاهدة الفاسد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلاف فيه ، ( ثم شرط عليه السكوت والتسليم ) والاذعان كما هو عادة المعلم مع متعلمه ، ( فقال : فإن اتبعتني ) كما أمرتك ( فلا تسألني ) أي لا تفاتحني بالسؤال ( عن شيء ) أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته ( حتى أحدث لك منه ذكرا ) أي حتى ابتدأك ببيانه ، ( ثم ) لما انطلقا إلى الساحل يطلبان السفينة فلما ركباها أخذ الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها ( لم يصبر ) على ذلك حتى سأله فاعتذر له وقال :( لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ )[ الكهف : 73 ] أي لا تعترض على بنسياني إياها وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها ، وقيل : أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة ، وقيل : هو من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه ، ( ولم يزل في مراددته ) ثانيا وثالثا بقتل الغلام وإقامة الجدار بغير أجرة وإنكاره عليه فيهما . ثم طلب العذر من قبله لما خالفه ثلاث مرات بعدم مصاحبته له ( إلى أن كان ذلك سبب فراق ما بينهما ) وهو المفهوم من قوله تعالى :( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ )[ الكهف : 78 ] الإشارة إلى الفراق الموقور بقوله : فلا