ولم يزل في مراددته إلى أن كان ذلك سبب الفراق بينهما . وبالجملة كل متعلم استبقى لنفسه رأيا واختيارا دون اختيار المعلم فاحكم عليه بالاخفاق والخسران .
( فإن قلت ) : فقد قال اللّه تعالى :
( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
[ النحل : 43 ] ، فالسؤال مأمور به ؟ ( فاعلم ) أنه كذلك ولكن فيما يأذن المعلم في السؤال عنه ، فإن السؤال عما لم تبلغ مرتبتك إلى فهمه مذموم ، ولذلك منع الخضر موسى عليه السلام من السؤال : أي دع السؤال قبل أوانه ، فالمعلم أعلم بما أنت أهل له وبأوان الكشف . وما لم
شرح
تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الإتساع .
ويروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رحم اللّه أخي موسى استحيى فقال ذلك ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب » . قال ابن القيم : وكفى بهذا شرفا وفضلا للعلم فإن نبي اللّه وكليمه سار ورحل حتى لقي النصب في سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم ، ولما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه وطلب متابعته وتعليمه وفي قصها عبر وآيات وحكم ليس هذا موضع ذكرها .
( وبالجملة ) . أي حاصل الكلام أن ( كل متعلم ) في أي علم كان إن ( إستبقى لنفسه رأيا واختيارا ) يراه ويختاره ( دون اختيار المعلم فاحكم عليه ) قطعا ( بالاخفاق ) أي الخيبة والحرمان ( والخسران ) نعوذ باللّه من الخذلان .
( فإن قلت ) : إن المتبادر إلى الأذهان في قصة الخضر وموسى عليهما السلام عدم السؤال حيث شرط الخضر على موسى السكوت والتسليم ، وقوله : فلا تسألني عن شيء حيث دل على عدم المفاتحة بالسؤال وهذا على ظاهره غير متجه ، ( فقد قال اللّه تعالى ) في موضع آخر من كتابه العزيز : ( فاسألوا أهل الذكر ) أي أهل العلم( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )[ النحل : 43 ] فالسؤال مأمور به ) بمقتضى هذه الآية . وكذلك الخبر الذي من طريق أهل البيت العلم خزائن ومفتاحها السؤال ، والخبر الآخر لا ينبغي للجاهل أن يستقر على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه . وقال ذو النون المصري : حسن سؤال الصادقين مفتاح قلوب العارفين . ( فاعلم ) أيها السالك ( انه كذلك ) أي ما ذكرته صحيح وأن السؤال مطلوب لما ورد شفاء العي السؤال ، ( ولكن ) ليس في كل حال بل ( فيما يأذن ) به ( المعلم في السؤال عنه ) ويرى شفاء جهله به ، ( فإن السؤال إلى ما لا تبلغ ) عداه بإلى يتضمن السؤال معنى الاحتياج أي عما لا تصل ( رتبتك ) ومقامك ( إلى فهمه ) وإدراكه ( مذموم ) كالعويصات والغوامض التي لا يدركها إلا العارفون الكاملون وليس للمبتدىء الخوض في مسالكها ، ( ولذلك ) أي لهذا السر ( منع الخضر موسى ) عليهما السلام ( عن السؤال ) أي عن مفاتحته ، فان إفشاء سر الربوبية صعب ( أي دع السؤال قبل أوانه ) فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، ولذلك قيل : لو صبر موسى عليه السلام لأبصر أعجب العجائب كما ورد ، ( فالمعلم أعلم بما أنت أهله ) لتلقيه ( وبأوان الكشف ) عن