لقبوله . ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه ، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنه يعظم نفعها ، فكم من مريض محرور يعالجه الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ليزيد في قوّته إلى حد يحتمل صدمة العلاج فيعجب منه من لا خبرة له به . وقد نبه اللّه تعالى بقصة الخضر وموسى عليهما السلام حيث قال الخضر :
( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ
شرح
ثم قال الراغب : ومتى لم يكن المتعلم من معلمه كأرض رمثة نالت مطرا غزيرا فتتلقاه بالقبول لم ينتفع به ، فحقه أن يتفرغ له كما قال تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )أي لمن له بنفسه علم يستغني به أو تذلل لاستماع الحق واقتباسه من عند المعلم .
وقال بعض العلماء في قوله عليه السلام : « اليد العليا خير من اليد السفلى » إشارة إلى فضل المعلم على المتعلم وفي تبيين فضل المعلم حث المتعلم على الانقياد له اه .
( ومهما أشار عليه المعلم ) وفي معناه المرشد في المواضع كلها ( بطريق ) من الطرق ( في التعليم ) خاص به أو عام ( فليقلده ) وليهتد به ( وليدع ) أي يترك ( رأيه ) وإن كان صوابا ، ( فإن خطأ مرشده ) على الفرض والتقدير ( أنفع له من صوابه في نفسه ) بحسب الظاهر ( إذ التجربة ) في الأشياء كلها ( تطلع ) الإنسان ( على دقائق ) ونكات ( يستغرب سماعها ) ، ولذلك قيل : من جرب المجرب حلت به الندامة . وقال آخر : سل المجرب ولا تسأل طبيبا . وقالوا : أكبر منك بشهر أعقل منك بسنة . ( مع أنه يعظم نفعها ) في الحقيقة ، ( فكم من مريض محرور ) المزاج إذ أصابه المرض ( يعالجه الطبيب ) الحاذق ( في بعض أوقاته بالحرارة ) أي بالأدوية الحارة ( ليزيد في قوته إلى ) أن يصل إلى ( حد يحتمل صدمة العلاج ) فيعالجه بما يزيل الحرارة ويقطعها عنه استئصالا . وذلك لأن الأدوية المبردة إذا وردت على حرارة ضعيفة صدمتها فجأة ولم تحتملها ، فربما أورث ذلك إلى أمراض أخر عسرة البرء ( فيتعجب منه من لا خبرة له ) ولا علم في دقائق الطب والأطباء ونص الذريعة ، وكما أن من حق المريض أن يكل إلى الطبيب الناصح الذي وقف على دائه ليطلب الطبيب دواءه وعزله ، فإنه إن يشته لم يشته إلا ما فيه دواؤه ولم يختر إلا ما فيه شفاؤه ، كذلك حق المتعلم إذا وجد معلما ناصحا أن يأتمر له ولا يتأمر عليه ولا يراده فيما ليس بصدد تعلمه اه .
( وقد نبه اللّه تعالى ) في كتابه العزيز على الحرص على لقاء العالم وعلى التعلم منه ، ثم على آدابه التي يستعلمها عند لقائه ( بقصة الخضر وموسى عليهما السلام ) ونص الذريعة وكفى على ذلك تنبيها ما حكى اللّه تعالى عن العبد الصالح أنه قال لموسى الخ اه .
وذلك فيما روي أن موسى عليه السلام خطب الناس بعد هلاك القبط ودخول مصر خطبة بليغة فأعجب بها ، فقيل له : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال : لا . فأوحى اللّه إليه بلى عبدنا