للعلم فهما ، ثم لا تغنيه القدرة على الفهم حتى يلقى السمع وهو شهيد حاضر القلب ليستقبل كل ما ألقي إليه بحسن الاصغاء والضراعة والشكر والفرح وقبول المنة . فليكن المتعلم لمعلمه كأرض رمثة نالت مطرا غزيرا فتشربت جميع أجزائها وأذعنت بالكلية
شرح
اللفظ ما يدل عليه ، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور فإنه لا يقتضي مفعولا مشهودا به ، فيتم الكلام بذكره وحده ، وأيضا فإن الآية تضمنت تقسيما وترديدا بين قسمين .
أحدهما ( من كان له قلب ) والثاني : من ألقى السمع وحضر بقلبه ولم يغب فهو حاضر القلب شاهد لا غائب ، وهذا واللّه أعلم سر الإتيان بأو دون الواو اه .
وإلى هذا أشار المصنف حيث قال : ( ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلا للعلم ) بإستعداده الأزلي ومحلا له ( فهيما ) بحسن إدراكه وتصوره قادرا عليه ، ( ثم لا تغنيه القدرة على الفهم ) أي لا يكفيه مجرد إستعداده وإدراكه لما يلقى إليه ( حتى يلقى السمع ) بحسن اصغائه مع التدبر ( وهو شهيد ) أي ( حاضر القلب ) غير غائبه ( يستقبل ) بثواقب أذهانه الصافية ( كل ما ألقي إليه ) من المعلم ( بحسن الإصغاء ) أي الاستماع ( والضراعة ) أي التواضع ( والشكر ) في مقابلة هذه النعمة بل النعم ، فإن الطالب إذا تفكر في نفسه بأن اللّه تعالى أراد به خيرا حيث وفقه من الأزل لطلب ما ينجيه من عذابه ويوصله إليه ، ثم يتفكر بأنه أنعم عليه بالعقل والفهم وتوجه القلب إلى تعليم ذلك فيجدها كلها نعما جليلة مطوية في مضمرها نعم أخرى ( و ) إذا انصبغ بهذا المعنى ظهرت عليه أمارات ( الفرح ) والسرور اللذين هما صقيلا الفهم ، فإن الطالب إذا فهم بين يدي معلمه ما يقوله ظهر السرور في وجهه وهذه علامة وقوعه على القلب وقبوله له من حيث الفهم ، ويحكى أن جالينوس كان يقرر يوما في مسألة مشكلة والطلبة به محدقون فقال لهم : فهمتم ؟ قالوا : نعم . قال : لا لو فهمتم لظهر السرور على وجوهكم .
( وقبول المنة ) من المعلم باب كبير للمتعلم وهو في معنى الضراعة للمعلم ، فإنه إن لم يقبل منه أستاذه بقي على جهله ، ( فليكن المتعلم لمعلمه ) أي بين يديه كالريشة الملقاة في الفلاة تقلبها الرياح كيف شاءت أو الحشيشة اليابسة في الماء الجاري تجري بها الأمواج حيث أرادت ، أو الميت بين يدي الغاسل يحركه كيف شاء ، ( أو كأرض ميتة ) أي جدبة ( نالت مطرا غزيرا فشربته بجميع أجزائها ) وعروقها ( وأذعنت ) أي انقادت ( بالكلية لقبوله ) وهذا يستدعي إلى فراغ ذهنه عما يخالفه على حد قولهم :
فصادف قلبا خاليا فتمكن .
حتى يتم التشبيه بما ذكره الشيخ ونص الذريعة .
الثالث : أن لا يتكبر على معلمه ولا على العلم .فالعلم حرب للفتى المتعالي * كالسيل حرب للمكان العاليولهذا قيل : العلم لا يعطيك بعضه الخ . وهذه الجملة بتمامها قد ذكرها المصنف في التي قبلها ،