شرح
وقال ابن القيم : تأمل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم وكيف تفتح مراعاتها للعبد أبواب العلم والهدى ، وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها فإنه سبحانه ذكر أن آياته المسموعة والمرئية المشهورة إنما تكون تذكرة لمن كان له قلب ، فإن من عدم القلب الواعي عن اللّه لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية ، فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فهو يراها ، ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه إلا بأمرين . أحدهما : أن يحضره ويشهد لما يلقي إليه فإذا كان غائبا عنه مسافرا في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به ، فإذا أحضره وأشهده لم ينتفع إلا بأن يلقي سمعه ويصغي بكليته إلى ما يوعظ به . قال ابن عطية : القلب هنا عبارة عن العقل إذ هو محله . وقال بعض المتأولين في معنى وهو شهيد أي شاهد مقبل على الأمر غير معرض عنه . وقال قتادة : هي إشارة إلى أهل الكتاب . كأنه قال لمن سمعها من أهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها ، فشهد على الأول من المشاهدة وعلى الثاني من الشهادة ، وهذا القول عن قتادة نقله ابن عطية ، وأشار له الزجاج والزمخشري ولم يختلفوا في أن المراد بالقلب القلب الواعي ، وان المراد بإلقاء السمع إصغاؤه وإقباله على الذكر ، وإنما اختلفوا في الشهيد على أربعة أقوال .
أحدها : أنه من المشاهدة وهي الحضور وهذا أصح الأقوال ، ولا يليق بالآية غيره .
والثاني : أنه من الشهادة وفيه على هذا ثلاثة أقوال . أحدها : أنه شاهد على صحته بما معه من الإيمان . الثاني : أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة . الثالث : أنه شهادة من اللّه عنده على صحة نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما علمه من الكتب المنزلة ، والصواب القول الأول فإن قوله وهو شهيد جملة حالية ، والواو فيها واو الحال أي ألقى السمع في هذه الحال ، وهذا يقتضي أن يكون حال القائه السمع شهيدا وهذا هو المشاهدة والحضور ، ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة وفي الدنيا لما كان لتقييدها بالقاء السمع معنى . إذ يصير الكلام أن في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقى السمع حال كونه شاهدا بما معه في التوراة أو حال كونه شهيدا يوم القيامة ، ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية ، وأيضا فالآية عامة في كل من له قلب وألقى السمع ، فكيف يدعي تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادة في كتبهم على صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأيضا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب ، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع ، فكيف يقال هي في أهل الكتاب ؟
فإن قيل : المختص بهم قوله وهو شهيد ، فهذا أفسد وأفسد لأن قوله وهو شهيد يرجع الضمير فيه إلى جملة من تقدم وهو من له قلب أو ألقى ، فكيف يدعي عوده إلى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولا ولا دلالة في اللفظ عليه ، فهذا في غاية الفساد ، وأيضا فإن المشهود به محذوف ولا دلالة في اللفظ عليه ، فلو كان المراد وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به إذ ليس في