تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
العلم حرب للفتى المتعالي * كالسيل حرب للمكان العالي
فلا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع ، قال اللّه تعالى :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )
[ ق : 37 ] . ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلا
شرح
ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها » وقد تقدم شيء من ذلك في أول الكتاب . وفي شرح المناوي على الجامع الصغير قال النووي رحمه اللّه في الحكمة أقوال كثيرة مضطربة اقتصر كل من قائليها على بعض صفاتها ، وقد صفا لنا منها أنها عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة باللّه المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس والأخلاق وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك اه . ( ويتقلد المنة ) أي الشكر ( لمن ساقها إليه ) أي أوصلها له ( كائنا من كان ) وقد روى العسكري من حديث عتبة بن عبد الرحمن عن شبيب بن بشير عن أنس رفعه « العلم ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها » . وعند القضاعي في آخر هذا الحديث : « حيثما وجد المؤمن ضالة فليجمعها إليه » ويروى عن ابن عمر رفعه « خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت » ونحو هذا يروى عن قول علي رضي اللّه عنه . قال العسكري : أراد صلّى اللّه عليه وسلّم أن الحكيم يطلب الحكمة أبدا وينشدها فهو بمنزلة المضل ناقة يطلبها ، ثم أسند عن مبارك بن فضالة . قال : خطب الحجاج فقال أن اللّه أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤنة الدنيا فليته كفانا مؤنة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا ، فقال الحسن : ضالة المؤمن عند فاسق فليأخذها . وعن يوسف بن أسباط قال : كنت مع سفيان الثوري وحازم بن خزيمة يخطب فقال في خطبته : إن يوما أسكر الكبار وشيب الصغار ليوم عسير شره مستطير ، فقال سفيان : حكمة من جوف خرب ، ثم أخرج سريحة يعني لوحا فكتبها . نقله السخاوي في المقاصد ، ومن كلام علي رضي اللّه عنه انظر إلى ما قال . ولا تنظر إلى من قال ، ومن أمثالهم المشهورة : العق العسل ولا تسل ، ( ولذلك قيل ) فيما مضى :( العلم حرب للفتى المتعالي * كالسيل حرب للمكان العالي )أي أن العلم عدو المتكبر حرب عليه لا يجتمعان معا والمتعالي هو المفتخر المتكبر بما عنده ، كما أن السيل عدو المكان المرتفع المحدودب ، فإنه لم يزل بأمواجه وهيجانه حتى يوطئه وذلك مشاهد ، ( فلا ينال ) العلم يا أخي ( إلا بالتواضع ) والتملق والانقياد للمعلم ( والقاء السمع ) . وهذا شرط ثان بعد التواضع فإنه إذا انقاد وتملق له ولكنه لم يلق سمعه لما يقوله لم يستفد شيئا . ( قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )[ ق : 37 ] قال الراغب ، والسمين في تفسير قوله :( لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ )أي عقل وفهم وقد يعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من العلم ، وعليه خرجت الآية وإلقاء السمع هو الإصغاء بإذن قلبه ، وهو شهيد أي يشهد ما يسمعه بقلبه على حد من قيل فيهم أولئك ينادون من مكان بعيد اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 508 | مرتضى الزبيدي