تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الحق جل وعلا لا تقييد عليه يفعل ما يشاء إلا أن قيد على نفسه بشيء فللعبد طلبه منه عبودية ، وقد قال رجل للحسن البصري : إني أريد أن أجلس في مسجد وأترك السبب لاعتقادي إن اللّه لا يضيعني ، فقال له الحسن البصري : إن كنت على يقين السيد إبراهيم الخليل عليه السلام فافعل وإلا فالزم الحرفة واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه أيضا تقريره ما حكاه عن بعضهم أنه بات عند السباع في برية ليمتحن توكله على اللّه تعالى هل صح أم لا . قال المنكر : كيف يجوز للغزالي أن يسكت على ما فعله هذا الرجل مع تعرضه لأسباب الهلاك ببياته عند السباع ، لا سيما إن كانت جيعانة ، وقد قال تعالى :
( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
[ البقرة : 195 ] والجواب : إن ذلك في حق أرباب الأحوال الذين يغلب حالهم حال السبع ويركبونه ويعركون اذنه وينقاد لهم ، بل يخاف هو منهم ، وهذا مقام يبلغه المريد أوائل دخوله في الطريق ، فيمسح اللّه من قلبه الخوف من شيء من المخلوقات جملة واحدة ، وقد وقع ذلك لجملة من الأولياء ، وفوق هذا المقام مقام أرفع من هذا وهو الخوف من كل شيء يؤذي والتباعد عنه ، ولو علمنا أن الحق تعالى قدر علينا ما يؤذينا فنتحفظ من الأذى حسب طاقتنا ، ويفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء ويثاب على ذلك الحذر ، لا سيما إن كان مشهد أحدنا إن أنفسنا وديعة عند اللّه تعالى ، وقد أمرنا بمدافعة الأقدار عنها واللّه أعلم . وما أنكروه عليه أيضا تقرير ما حكاه عن أبي الحسن الدينوري أنه حج اثنتي عشرة حجة وهو حاف مكشوف الرأس . قال ابن القيم : هذا من أعظم الجهل لما في ذلك من الأذى للرأس والرجلين ولا تسلم الأرض من الشوك والوعر ، وكان هؤلاء الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم شريعة سموها بالتصوّف وتركوا شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بجانب ، فنعوذ باللّه من تلبيس إبليس ، فإن مثل هذه الحكايات تفسد عقائد العوام ويظنون أن فعله من الصواب . والجواب : لا ينبغي المبادرة بالإنكار على من أتلف جسمه في مرضاة اللّه تعالى وتعظيم حرماته ، وربما كان من خرج للحج حافيا مكشوف الرأس وقع في ذنب عظيم عنده ، وظن أن الحق تعالى قد سخط عليه بسببه ، فخرج بتلك الهيئة يطلب التنصل من ذنوبه على وجه الذل والإنكسار ، وقد وقع لسفيان الثوري أنه حج من البصرة حافيا فتلقاه الفضيل بن عياض ، وابن أدهم ، وابن عيينة من خارج مكة فقالوا له : يا أبا عبد اللّه أما كان من الرفق بذاتك أن تركب ولو حمارا ؟ فقال : أما يرضى العبد الآبق من سيده أن يأتي مصالحته إلا راكبا ؟ فبكى الفضيل والجماعة فانظر ذلك واقتد به واللّه أعلم . ومما أنكروا عليه أيضا ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد من قوله هذا من فعل رجال اللّه . قيل له : فإن مات قال الدية على العاقلة . قال المنكر : هذه فتوى جاهل بقواعد الشريعة إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز لأحد دخول البادية بغير زاد ، وإن كان فعل ذلك ومات بالجوع فهو عاص مستحق للعقوبة في الآخرة . والجواب : يحتمل أن يكون مراد الغزالي من رجال اللّه أرباب الأحوال الذين غلبت عليهم أحوالهم لا العارفين من مشايخ الطريق بقرينة ما مر في الجواب قبله ، فلا لوم على الغزالي إلا لو جعل ذلك شائعا في حق كل الناس .