تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
حتى تعطيه كلك ، فإذا أعطيته كلك فأنت من عطائه إياك بعضه على خطر » . والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزارع . ( الوظيفة الثالثة ) : أن لا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم ، بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطيب المشفق الحاذق . وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته . قال الشعبي : « صلى
شرح
يعطيك بعضه ) أي بعضا من حقائقه وثمراته ( حتى تعطيه كلك ) أي تتوجه إلى تحصيله بكليتك غير ناظر إلى أهل ووطن ولا مال وجاه مع جوع وعري وغربة ، ( فإذا أعطيته كلك ) أي صرفت إليه همتك الكلية ( فأنت من اعطائه إياك بعضه على خطر ) إما أن تحصله أولا ، فإذا لم تعطه كلك لم تظفر منه بشيء أبدا . أورده صاحب الذريعة هكذا قال وكأنما عنى من قال :خدم العلى فخدمته وهي التي * لا تخدم الأقوام ما لم تخدم( والفكرة المتوزعة ) أي المنقسمة ( على أمور متفرقة ) إنما مثلها عند الاعتبار ( كجدول ) وهو نهر صغير يسقي الحائط ( تفرق ماؤه ) في أماكن شتى وليس بمجتمع في موضع واحد ( فتنشف الأرض بعضه ) لقلته ( واختطف الهواء ) من الجو ( بعضه ولا يبقى منه ما يجتمع ) مع بعضه ( ويبلغ المزارع ) المطلوب سقيها . ونص الذريعة والفكرة متى توزعت تكون كجدول يفرق ماؤه فيشفه الحر وتشربه الأرض فلا يقع به نفع ، وإن جمع بلغ المزروع فانتفع به اه . ولذا كرهوا للمتعلم من الاشتغال في درسين في علمين مستقلين لئلا تتوزع الفكرة ، ومن الإنتقال من فن إلى فن آخر قبل إستكمال الأول كما يأتي بيانه .

[ الوظيفة الثالثة أن لا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم ]

( الوظيفة الثالثة : أن لا يتكبر ) المتعلم ( على العلم ) نفسه بأن يراه بعين الأزدراء ولا تقع مهابته وشرفه وكرامته عنده موقعا ( ولا يتأمر ) أي لا يصير أميرا ( على المعلم ) فإنه ثمرة عدم معرفة حقه ( بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية ) ، وأصل الزمام ما يزم به البعير بحبل فيقاد ، والمراد هنا تدبير أموره ( في كل تفصيل ) وإجمال ( ويذعن ) أي ينقاد ( لنصحه ) وما يبديه من إشاراته ( إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق ) في صنعته ، وإنما قيد المريض بالجاهل لأن العارف من المرضى ربما خالف طبيبه في دواء من الأدوية فلم يتلق منه بالقبول فلا ينجع فيه ذلك الدواء ، وقيد الطبيب بوصفين الإشفاق والحذق ، ولعمري هما وصفان جليلان لا يوجدان في أكثر الأطباء ، وإنما ضرب المثل في ذلك لأن المعلم يشفيه من أمراضه الباطنة التي أعظمها الجهل ، كما أن الطبيب يداويه لإذهاب الأمراض العارضة في الظاهر ، وإذا وجد في المعلم الكمال في نفسه وتهذب لتكميل الغير مع الإشفاق والفطانة وجب على المتعلم أن يكون بين يديه