إنما الذي تسمعه من المترسمين حديث يلفقونه بألسنتهم مرة ويرددونه بقلوبهم أخرى ، وليس ذلك من العلم في شيء . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يقذف في القلب . وقال بعضهم : إنما العلم الخشية لقوله تعالى :
( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )
[ فاطر : 28 ] ، كأنه أشار إلى أخص ثمرات العلم ، ولذلك قال بعض المحققين : معنى قولهم : « تعلمنا العلم لغير اللّه فأبى العلم أن يكون إلا للّه » إن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته ، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه .
شرح
نسخة : المتوسمين ( حديث تلقفوه ) أي أخذوه بأفواههم ولقف الفم شدته . وفي نسخة ، بألسنتهم وبقلوبهم بصيغة الجمع فيها ( وليس ذلك من العلم ) النافع الموصل ( في شيء ) أصلا .
( قال ) الإمام الجليل عبد اللّه ( ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( ليس العلم بكثر الرواية وإنما العلم نور يقذف في القلب . وقال بعضهم : إنما العلم الخشية إذ قال اللّه تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )[ فاطر : 28 ] .
قلت : الذي في الحلية لأبي نعيم في ترجمة عبد اللّه بن مسعود ما نصه : حدثنا أبو أحمد الغطريفي ، حدثنا أبو خليفة ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا قرة بن خالد ، عن عون بن عبد اللّه قال ، قال عبد اللّه : ليس العلم بكثرة الرواية لكن العلم الخشية ، فعلم من سياقه أن الجملتين من كلام ابن مسعود ، فيكون المراد من قوله : وبعضهم هو هو وقوله إذ قال تعالى الخ هذه الزيادة ليست عند أبي نعيم ، وقوله : إنما العلم نور الخ قد أورده صاحب القوت في سياق كلامه في أحوال السلف ما نصه ، فهذا كما قيل : العلم نور يقذفه اللّه تعالى في قلوب أوليائه كما تقدم ذلك في سادس شروط المناظرة أي فليس كل قلب يقذف فيه النور ، ( وكأنه ) أي صاحب هذا القول ( أشار ) بذلك ( إلى أخص ثمرات العلم ) وأعلاها وأنماها ، كما دل على ذلك الحصر بإنما ، وقد تقدم البحث في معنى الآية والخشية في أوّل الكتاب ، ( ولذلك قال بعض المحققين ) من السلف : أن ( معنى قولهم تعلمنا العلم لغير اللّه فأبى العلم أن يكون إلا للّه ) ، وطالما كنت أسمع الشيوخ يعزون هذه المقالة إلى المصنف ، وأنه أبو عذرتها وكنت أفهم من تقاريرهم في معناها أن تعلمنا في المبادئ لم يكن يخلو من عدم الإمحاض في تحصيله ، فأبى الا أن يجرنا إلى طريق السلوك والهداية إلى اللّه تعالى ، وتقدم في أثناء ترجمة المصنف حين أمره وأخاه وصيهما أن ينزلا مدرسة من المدارس ليتقوّتا فيها ويحصلا العلم وكان ما كان ، فقال المصنف : هذا الكلام إذ ذاك والآن قد ظهر في سياق المصنف أن المقالة المذكورة لأحد من المتقدمين ليست له ، وإنما هو ناقل بل هو مقلد لصاحب القوت فإنه هو الذي نقلها هكذا وفسرها بما يأتي وأن تفسيرها ( أي أن العلم أبى وامتنع علينا ) بحسب قصورنا في الإجتهاد وعجزنا عن كثير من الشروط ، ( فلم تنكشف لنا حقيقته ) من حيث هو هو ( وإنما حصل لنا حديثه ) الظاهر ( وألفاظه ) ومثله ورسومه فقط ، فهذا تأويل آخر لتلك المقالة غيرها كنا نسمعه من الشيوخ ونفهمه .