تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
( فإن قلت ) : إني أرى جماعة من العلماء الفقهاء المحققين برزوا في الفروع والأصول وعدّوا من جملة الفحول وأخلاقهم ذميمة لم يتطهروا منها ؟ فيقال : إذا عرفت مراتب العلوم وعرفت علم الآخرة استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء من حيث كونه علما ، وإنما غناؤه من حيث كونه عملا للّه تعالى إذا قصد به التقرب إلى اللّه تعالى ، وقد سبقت إلى هذا إشارة . وسيأتيك فيه مزيد بيان وإيضاح إن شاء اللّه تعالى .

[ الوظيفة الثانية أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا ]

( الوظيفة الثانية ) : أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا يبعد عن الأهل والوطن ، فإن العلائق شاغلة وصارفة و
( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )
[ الأحزاب : 4 ] . .
شرح
( فإن قلت : إني أرى جماعة ) كثيرة ( من الفقهاء المحققين ) المدققين ( برزوا في الفروع والأصول ) أي ظهروا على الناس في معرفتها واستباط الأحكام الشرعية منها ( وعدّوا ) بذلك ( من جملة الفحول و ) مع ذلك ( أخلاقهم ) التي جبلوا عليها ( ذميمة ) ردية ، ( ولم يتطهروا منها ) ولم يتخلصوا من أدناسها ؟ ( فيقال ) في الجواب عن ذلك : ( إذا عرفت مراتب العلوم ) النافعة ( وعرفت مقاديرها ) بميزان الاخلاص ( بحكم الآخرة ) لا بحكم الدنيا ( استبان ) أي ظهر ( لك أن ما اشتغلوا به ) وتعبوا عليه كثير العناء ( قليل الغناء ) أي الجدوى ( من حيث كونه علما وإنما غناؤه ) وفائدته ( من حيث كونه عملا للّه تعالى ) موصلا إليه ( إذا قصد به التقرب إلى اللّه تعالى ) لا ما إذا قصد به غير اللّه من نحو تحصيل جاه أو حطام دنيوي أو مباهاة أو غير ذلك . ( وقد سبقت إلى هذه إشارة ) في عدة مواضع ، ( وسيأتيك فيه بيان مزيد وايضاح ) إن شاء اللّه تعالى في ذكر العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة في مواضع أخر غيرها ، واللّه أعلم . ( الوظيفة الثانية : أن يفرغ ) المتعلم بعد تقديم طهارة النفس ( علائقه ) جمع علاقة بكسر العين . وفي بعض النسخ : أن يقلل علائقه ( من أشغال الدنيا ) جمع شغل بالضم وهو ما يشغله . وفي بعض النسخ : من اشتغال الدنيا أي من الاشتغال وهو صرف نفائس الأوقات في أمورها ، وعلى النسخة الأولى أمر بتفريغه للعلائق الدنيوية بحيث لا يشغله منها شيء ، وهذا أوفق للمتجرد . وعلى النسخة الثانية أمر بقطع الأطماع في أمورها فيقلل منها على التدريج وهذا أوفق للمتزوّج ، ( و ) على كل حال لا يتمكن من ذلك كل منهما حتى ( يبعد عن الأهل ) والأقارب ( والوطن ) والدار والرباع ويهاجر عنهم وعنها حتى يثبت له أجر المهاجرة ، وفي ذلك قال بعض المقادسة :ما للمعيل وللمعالي إنما * يسعى إليهن الفريد الفارد( فإن العلائق ) وهي على قسمين ظاهرية وباطنية وهي بأنواعها ( شاغلة وصارفة ) عن