( فإن قلت ) : كم من طالب رديء الأخلاق حصل العلوم فهيهات ما أبعده عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة ، فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر له أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة ، وهل رأيت من يتناول سما مع علمه بكونه سما قاتلا
شرح
وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه . عن جده رفعه : « يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يسمى يولس تعلوهم نار الانيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال » .
وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة كعب الأحبار من ثلاثة طرق . إحداهن عن معمر ، عن أبي مصعب ، عن أبيه ، عن كعب بنحو هذا السياق . والثانية والثالثة من رواية موسى بن عقبة ، عن عطاء بن أبي غروان ، عن أبيه عن كعب : « والذي فلق البحر لموسى أن فيما أنزل اللّه في التوراة أنه يحشر المتكبرون يوم القيامة » فساق نحوه .
( فإن قلت : كم من طالب رديء الأخلاق ) ذميم الأوصاف اجتهد في هذا الطريق و ( حصل العلوم ) وفي نسخة : العلم وفي نسخه : العلم وسمى عالما واقتدى به الناس ، ( فهيهات ما أبعده عن ) معرفة ( العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة ) الكبرى ، ( فإن من أوائل ذلك ) وعلاماته الصادقة ( أن يظهر له ) بتوفيق من اللّه تعالى ( أن المعاصي ) في اعسالها ( سموم مهلكة ) قتالة لا تقبل البرء ، ( وهل رأيت ) في العقلاء ( من يتناول سما ) باختياره ( مع علمه بكونه سما ) قاتلا ، فهذا الذي حصله من العلوم مما بعثه على تحصيل الحطام الفاني لا مما قربه وأدناه إلى الحبيب الداني . وقد أورد هذا الحديث ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة بأبسط من هذا فقال : فضيلة الشيء تعرف بضده ولا ريب أن الجهل أصل كل فساد وكل ضرر يلحق ، فهو نتيجة الجهل وإلّا فمع العلم التام بأن هذا الطعام مثلا مسموم من أكله قطع أمعاءه في وقت معين لا يقدم على أكله ، وإن قدر أنه أقدم عليه بغلبة جوع أو استعجال وفاة فهو لعلمه بموافقة أكله لمقصوده الذي هو أحب إليه من العذاب بالجوع أو بغيره ، ثم ذكر الاختلاف في مسألة هل العلم يستلزم الاهتداء أم لا ؟ اختلف المتكلمون وأرباب السلوك واحتجت كل فرقة بدليل من الآيات والأحاديث ، ثم قال : المقتضي قسمان . قسم لا يتخلف عن موجبه ومقتضاه لقصوره في نفسه ، بل يستلزمه استلزام العلة التامة لمعلوها ومقتض غير تام يتخلف عنه مقتضاه لقصوره في نفسه عن التمام أو لفوات شرط اقتضائه أو قيام مانع منع تأثيره ، فإن أريد بكون العلم مقتضيا للاهتداء الاقتضاء التام الذي لا يتخلف عنه أثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل . فالصواب قول الطائفة الثانية وأنه لا يلزم من العلم الاهتداء المطلوب وإن أريد كونه موجبا أنه صالح للاهتداء مقتض وقد تخلف عنه مقتضاه لما ذكر ، فالصواب قول الطائفة الأولى ، ثم ذكر أسباب التخلف وهو نفيس فراجعه . ( وإنما الذي تسمعه من المترسمين ) الآخذين برسوم العلم الظاهرية وفي