تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
القلب . « وبالكلب » هو الغضب والصفات المذمومة ، ولكني أقول هو تنبيه عليه وفرق بين تغيير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير لظواهر ، ففارق الباطنية بهذه الدقيقة فإن هذه طريق الاعتبار وهو مسلك العلماء والأبرار ، إذ معنى الاعتبار أن يعبر ما ذكر إلى غيره فلا يقتصر عليه كما يرى العاقل مصيبة لغيره فيكون فيها له عبرة بأن يعبر منها إلى التنبه لكونه أيضا عرضة للمصائب ، وكون الدنيا بصدد الانقلاب ، فعبوره من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى
شرح
الهوى من قبل النفس ولم يجد الملك نصرة من عزم اليقين من قبل الروح انهزم الملك وأخلى البيت ونهب المتاع وخرب بعد عمارته وأظلم بعد إنارته وضاق بعد انشراحه . وهكذا حال من آمن وكفر وأطاع وعصى واهتدى وضل قال . فإن قلت : كيف آمن من كفر ، وأطاع من عصى ، واهتدى من ضل إذ كانت الشياطين لا تفارق قلب الكافر والعاصي والضال بما يبثون فيه من الأخلاق المذمومة وأصناف الخير إنما ترد من اللّه عز وجل بواسطة الملائكة وهي لا تدخل موضعا يحل فيه شيء مما ذكر ، وإذا لم تدخل لم يصل إلى الخير الذي يكون معها ولم تصل إليه ، فعلى هذا يجب أن يبقى كل كافر على حاله ، ومن لم يخلق مؤمنا معصوما فلا سبيل له إلى الإيمان على هذا المفهوم . فالجواب : إن للشياطين غفلات وللأخلاق المذمومة عزفات ، كما أن للملائكة غيبات ولتواتر الخير عليها فترات ، فإذا وجد الملك قلبا خاليا ولو زمنا فردا حل فيه وأراه ما عنده من الخير ، فإن صادف منه قبولا ولما عرض عليه تشوّقا ونزوعا أورده عليه ما يملؤه ويستغرق لبه ، وإن صادف منه ضجرا وسمع منه لجنود الشياطين استغاثة وبالأخلاق الكلابية استعانة رحل عنه وتركه . ( ولست أقول المراد بلفظ « البيت » ) في الحديث ( هو القلب وبالكلب هو الغضب و ) بقية ( الصفات ) المذمومة ، ( ولكن أقول : هو ) أي ما ذكر من التأويل ( تنبيه عليه ) لأهل الباطن ( وفرق بين تغيير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر ) على ما هي عليها ، وعلى هذا ( بفارق الباطنية ) وهم طائفة من الملاحدة ( بهذه الدقيقة ) . وقد ذكر شيء مما يتعلق بتأويلاتهم في أوّل الكتاب ، ( فإن هذا طريق الاعتبار وهو مسلك ) السادة من ( العلماء والأبرار ) ، ومن نحا منهجهم من أهل الأسرار . ( إذ معنى الاعتبار أن يعبر ) أي يتجاوز ( مما ذكر إلى غيره ولا تقتصر عليه ) . هذا هو الأصل نظرا إلى أنه افتعال من العبور ( كما يرى العاقل مصيبة ) نزلت ( بغيره فيكون له فيها عبرة بأن يعبر منها إلى ) حال ( التنبه ) من الغفلة ( لكونه أيضا عرضة ) أي معروضا ( للمصائب ) والتوازل ، ( وكون الدنيا بصدد الانقلاب ) والزوال ولقد أجاد من قال : من حلقت لحية جاره * فليسكب الماء على لحيته . ( فعبوره من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى أصل الدنيا عبرة محمودة ) عند أهل الحق ، ( فاعتبر أنت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 497 | مرتضى الزبيدي