يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم ولهم درجات شتى ، ولا ينفك أعظمهم دينا وأكثرهم عقلا عن جمل من مواد هذه الأخلاق ، وإنما غايته إخفاؤها ومجاهدة النفس بها .
واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ أيضا إذا كان قصده طلب القبول وإقامة الجاه ونيل الثروة والعزة وهي لازمة أيضا للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان قصده طلب القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران . وبالجملة هي لازمة لكل من يطلب بالعلم غير ثواب اللّه تعالى في الآخرة ، فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه هلاك الأبد أو يحييه حياة الأبد ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه اللّه بعلمه » . فلقد ضره مع أنه لم ينفعه ، وليته نجا منه رأسا برأس ،
شرح
شتى ) عالية ونازلة ، ( فلا ينفك أعظمهم دينا ) أي معرفة فيه ( وأكثرهم عقلا ) وذكاء ( عن ) تحمل ( جمل ) كثيرة ( من مواد هذه الأخلاق ) المذكورة ( وإنما غايته ) التي ينتهي إليها ( اخفاؤها ) في النفس ( ومجاهدة النفس فيها ) ، فإن غلب عليها نجا من تلك الرذائل وإن غلبت عليه أخلدته إلى الهون والمقاتل . نسأل اللّه سبحانه الإعانة عليها والتوفيق لما يرضاه .
( واعلم ) أيها السالك ( أن هذه الرذائل ) التي ذكرت ليست خاصة في حق المناظرين فقط ، بل ( لازمة للمستقل بالتذكير والوعظ ) على الكراسي على ملأ من الناس ( أيضا إذا كان قصده طلب القبول ) والشهرة عند الناس ( وإقامة ) ركن ( الجاه ) والحشمة ( ونيل الثروة ) أي الغنى ( والعز ) من ذوي الأموال ، ( وهي لازمة أيضا للمشتغل بعلم ) فقه ( المذهب و ) كتابة ( الفتاوى إذا كان قصده ) بذلك ( طلب ) منصب ( القضاء والفتاوى وولاية الأوقاف ) السلطانية . وفي حكم ذلك مشيخة المدارس والزوايا ( والتقدم على الأقران ) والنظراء ، ولا يخفى أن الذي يشتغل بعلم المذهب الآن ، فإنه لا يتصور منه الانفكاك عن هذه النيات . ( وبالجملة هي لازمة لكل من طلب بالعلم ) أي بتحصيله ( غير ثواب الآخرة ) الموعود به آجلا ، ( والعلم ) من حيث هو هو من خواصه أنه ( لا يهمل ) أي لا يترك ( العالم ) أي حامله المتلبس به ، ( بل ) إما أن ( يهلكه هلاك الأبد ) إذا لم يعمل بما علم ( أو يحييه حياة الأبد ) إذا عمل بما علمه ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه اللّه بعلمه » ) قد تقدم هذا الحديث في المقدمة ، وأنه أخرجه الطبراني في الصغير ، والبيهقي في شعب الايمان ، عن أبي هريرة باسناد ضعيف ولفظهم : « لم ينفعه اللّه بعلمه » . وأخرجه ابن عدي أيضا ولفظه : « لم ينفعه علمه » . وقال الحافظ ابن حجر : غريب الاسناد والمتن ، وأورده الذهبي في الميزان في ترجمة عثمان بن عقيم وهو ضعيف . قال ابن عدي :
حديثه لا يتابع عليه اسنادا ومتنا ، ولكن للحديث أصل أصيل قد روى الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس مرفوعا : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي والمصوّرون وعالم لا ينتفع بعلمه » . قال المناوي : لأن عصيانه عن علم ، ولذا كان المنافقون في