والتردد إليهم ، والأخذ من خزائنهم والتجمل بالخيول والمراكب والثياب المخطورة والاستحقار للناس بالفخر والخيلاء ، والخوض فيما لا يعني وكثرة الكلام وخروج الخشية والخوف والرحمة من القلب واستيلاء الغفلة عليه حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما صلّى وما الذي يقرأ ومن الذي يناجيه ولا يحس بالخشوع من قلبه مع استغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة ، مع أنها لا تنفع في الآخرة : من تحسين العبارة وتسجيع اللفظ وحفظ النوادر إلى غير ذلك من أمور لا تحصى . والمناظرون
شرح
فبذلك فليفرحوا ، وذلك لأن الفرح قد يكون من سرور بحسب قضية العقل ، والأشر لا يكون إلا فرحا بحسب قضية الهوى ( وتعظيم الأغنياء ) من ذوي الأموال نظرا لما بيدهم ( و ) تعظيم ( السلاطين ) ومن في حكمهم من النواب والوزراء نظرا إلى جاههم وشوكتهم ( والتردد إليهم ) لحصول ذلك ( والأخذ من خزائنهم ) من الأموال وأنواع البر والصلة ( والتجمل ) أي التزين ( بالخيول ) المسوّمة ( والمراكب ) الفارهة . وفي حكمها البغال المثمنة ( والثياب المخطورة ) أي ذوات الخطر وهي المثمنة وفي حكمها لبس الفراوي والتشاريف السلطانية ( واستحقار الناس ) واستصغارهم ( بالفخر والخيلاء ) أي التكبر ( والخوض ) أي الدخول ( فيما لا يعني ) من الكلام ، ( وكثرة الكلام ) من غير داع ولا موجب ، ( وخروج الرحمة ) أي رقة القلب ، ( والخشية ) أي الخوف من اللّه تعالى ( من القلب واستيلاء الغفلة ) وتحكمها ( عليه ) أي على القلب ( حتى لا يدري المصلي منهم ) إذا دخل ( في صلاته ) مفروضة كانت أو نافلة كم صلى و ( ما الذي يقرؤه ) في صلاته ( ومن الذي يناجيه ) في توجهه ويخاطبه ، ( ولا يحس ) أي لا يدرك ( بالخشوع ) الذي هو روح العبادة ( من قلبه ) فإذا كان هذا حاله في الصلاة يمضي غافلا فهو في غيرها أشغل من ذات النحيين « 1 » ( واستغراق العمر ) واستيفائه ( في ) تحصيل ( العلوم ) العقلية النظرية ( التي تعين ) وتساعد ( في المناظرة ) مع الخصم فيتقنون النحو والمنطق والكلام والجدل والفرائض والحساب ، لأنها هي التي تفتق ألسنتهم في المحافل ويلقون العلوم الشرعية سواها وراء ظهورهم ، ( مع أنها ) أي تلك العلوم التي يحصلونها ( لا تنفع في الآخرة ) أصلا ، وإنما هي وبال على صاحبها . وقد مضت حكاية نصر بن علي الجهضمي حين رأى الخليل بن أحمد في المنام وجوابه له ، وكذلك حكاية بعض المحدثين حين رأى بعض فقهاء الكوفة في منامه وجوابه له ، ( حتى تحسين العبارة ) وتلخيصها إذا كان بتكلف وأعمال نظر ، ( وتسجيع اللفظ ) حتى في الدعاء كما مرت إليه الإشارة ، وما ورد فيه من النهي الصريح ، فإن كل ذلك مما يمنع منه ( وحفظ النوادر ) والحكايات الغريبة مما توجد في المجالس بقصد الاستغراب منثورة أو منظومة ( إلى غير ذلك في أمور لا تحصى ) يدركها المتأمل الحاذق ، ( والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم ) ورتبهم ( ولهم درجات
هامش
( 1 ) من أمثال العرب . والنحيان تثنية نحي بكسر النون وهو الزق الذي يجعل فيه السمن خاصة ( انظر جمهرة أمثال العرب للعسكري : ج 2 ص 255 ) .