واصفرّ لونها ، فهكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا تغير لونه واضطرب عليه فكره ، فكأنه يشاهد شيطانا ماردا أو سبعا ضاريا ، فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء ، حتى قال الشافعي رضي اللّه عنه : العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل ؟ فلا أدري كيف يدعى الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة ! فهل يتصوّر أن ينسب الانس بينهم مع طلب الغلبة والمباهاة هيهات هيهات ، وناهيك بالشر شرا أن يلزمك أخلاق المنافقين ويبرئك عن أخلاق المؤمنين والمتقين .
ومنها : النفاق فلا يحتاج إلى ذكر الشواهد في ذمه وهم مضطرون إليه ، فإنهم يلقون الخصوم ومحبيهم وأشياعهم ولا يجدون بدا من التودد إليهم باللسان وإظهار
شرح
لونها ) وتغير حالها ، ( فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا ) من بعيد ( يربد ) أي يتغير ( لونه ويضطرب عليه فكره ) لما داخله منه خوف المغلوبية ، ( وكأنه شاهد ) في صورته هذه ( شيطانا ) ماردا ( أو سبعا ضاريا ) أي لهجا بأخذ الصيد ، ( فأين الاستئناس ) مع الاخوان على صراط الحب المستقيم ( والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين ) في الخلوة والمحافل ( عند اللقاء ) مع بعضهم ، فكانوا يرتاحون بمذاكرة العلم ويستأنسون بها معهم ويحب أحدهم لا يفارق صاحبه مدى الدهر ، ( وما نقل عنهم ) في سيرهم ( من المؤاخاة ) والمؤازرة والتعاون ( والتناصر والتساهم ) أي التقاسم ( في ) حالتي ( السراء والضراء ) والمنشط والمكره ، ( حتى قال ) الامام ( الشافعي ) رحمه اللّه تعالى : ( العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل ) . والرحم في الأصل ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل ، ومنه استعير للرحم بمعنى القرابة لخروجهم من رحم واحد ، فمعنى قول الإمام : إن العلم هو سبب القرابة والمؤانسة بينهم فصاروا في الاتصال كأنهم خرجوا من رحم واحدة . ( ولا أدري كيف يدعي ) بزعمهم ( الاقتداء ) أي الاتباع ( بمذهبه جماعة صار العلم بينهم ) بتباغضهم ( عداوة قاطعة ) ومجافاة مانعة ، ( فهل يتصور أن يستتب ) أي يستتم ( الانس ) والحب ( مع طلب ) الغلو و ( الغفلة والمباهاة ) والترفع . ( هيهات هيهات ) بعيد منهم ذلك ( فناهيك ) أي كافيك بالشر ( شرا ) وبعدا ومقتا ( أن يلزمك ) ويورثك ( أخلاق المنافقين ) والكاذبين ، ( ويبرئك ) أي يبعدك ( عن أخلاق المؤمنين والمتقين ) من أهل اليقين .
( ومنها ) : أي ومن آفات المناظرة ( النفاق ) وهو إبطان غير الظاهر ، وقيل : هو الدخول في الشرع من باب والخروج من باب آخر وفي تسمية المنافق منافقا وجوه ثلاثة ذكرها أئمة اللغة ، ( ولا يحتاج إلى ذكر الشواهد ) المتعلقة به وما ورد ( في ذمه ) فإنه كثير والكتب مشحونة بذكره ( وهم ) أي المناظرون ( مضطرون ) أي محتاجون ( إليه ) ضرورة ، ( فإنهم يلقون الخصوم ومحبيهم ) ومن تودّد إليهم ( وأشياعهم ) أي أتباعهم الملازمين لهم بوجه طلق ، ( ولا