تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته ، وغاية تحفظه أن يصدق فيما يحكيه عليه ولا يكذب في الحكاية عنه ، فيحكي عنه لا محالة ما يدل على قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله وهو الغيبة ، فأما الكذب ، فبهتان وكذلك لا يقدر على أن يحفظ لسانه عن التعرض لعرض من يعرض عن كلامه ويصغي إلى خصمه ويقبل عليه حتى ينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم والبلادة . ومنها : تزكية النفس قال اللّه تعالى :
( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى )
[ النجم : 32 ] وقيل لحكيم : ما الصدق القبيح ؟ فقال : ثناء المرء على نفسه . ولا يخلو المناظر من الثناء
شرح
بظهر الغيب ، ( وقد شبهها اللّه تعالى ) في كتابه العزيز ( بأكل الميتة ) فقال :( أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ )وقال تعالى :( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ )[ القلم : 11 ] وسيأتي ما يتعلق بذلك في الربع الثالث . ( ولا يزال المناظر ) في المجالس ( مثابرا ) أي مجتهدا صابرا ( على ) هذا الوصف الذميم الذي هو ( أكل الميتة ) واستذواق الجيفة ، ( فإنه لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ) وإيراده إياه في المجلس ( ومذمته ) إياه ، ( وغاية تحفظه ) وتماسكه ( أن يصدق عليه ) فيما ينقله عنه ويحكيه ، ( ولا يكذب في الحقيقة فيحكى عنه لا محالة ما يدل على قصور ) فهمه وفتور ( كلامه وعجزه ) في تقريره ( ونقصان فضله و ) هذا ( هو الغيبة ) التي مر تعريفها ، ( فأما الكذب فبهتان ) أي إن كان فيه ذلك الوصف الذي ذكره فقد اغتابه وإلا فقد بهته أي قال عليه ما لم يفعله ، ( وكذلك لا يقدر ) المناظر ( على أن يحفظ لسانه عن التعرض لعرض من يعرض عن كلامه ) ولا يميل إليه ( ويصغي إلى خصمه ويقبل عليه ) بأنواع الوقيعة بلسانه والمذام ( حتى ينسبه إلى الجهل والحماقة ) أي : فساد العقل ( وقلة الفهم والبلادة ) ، ولو كان هو على صريح الحق نعوذ باللّه من الخذلان . ( ومنها ) : أي ومن آفات المناظرة ( تزكية النفس ) ؛ وهو نماؤها بمدحها ( قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز :( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى )[ النجم : 32 ] أي لا تنسبوها إلى التطهير المقتضى لأن تكونوا عدولا أتقياء ولذلك قال :( بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ )[ النساء : 49 ] أي ينسب من يشاء من عباده إلى ذلك ، ومن هذا قال تعالى :( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )[ البقرة : 143 ]( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )[ آل عمران : 110 ] فهذه واللّه التزكية قاله السمين . ( وقيل لحكيم ) من الحكماء : ( ما الصدق القبيح ) ؟ مع أن الصدق لا يوصف بالقبح ، ولكن قد يكون ذلك . ( فقال : ثناء المرء على نفسه ) فإنه في الجملة صدق مطابق لما هو الواقع إلا أنه لنفسه قبيح ، وفي الذريعة : وأما ثناء المرء على نفسه فشناعة وفظاعة ، فقد قيل لحكيم : ما الذي يحسن وإن كان حقا ؟ فقال : مدح الرجل نفسه . وقال معاوية رضي اللّه عنه لرجل : من سيد قومك ؟ قال : أنا . قال : لو كنته لما قتلته ، ولقد أحسن ابن الرومي حيث اعتذر عن مدح نفسه قصدا إلى الدلالة على مكانه فقال :