تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
على نفسه بالقوّة والغلبة والتقدم بالفضل على الاقران ولا ينفك في أثناء المناظرة عن قوله : لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور ، وأنا المتفنن في العلوم والمستقل بالأصول وحفظ الأحاديث وغير ذلك مما يتمدح به تارة على سبيل الصلف وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه . ومعلوم أن الصلف والتمدح مذمومان شرعا وعقلا . ومنها : التجسس وتتبع عورات الناس ، وقد قال تعالى :
( وَلا تَجَسَّسُوا )
[ الحجرات : 12 ] والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه وتتبع عورات خصومه حتى أنه ليخبر بورود مناظر إلى بلده ، فيطلب من يخبر بواطن أحواله ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة
شرح
وعزيز عليّ مدحي لنفسي * غير أني حسمته للدلالة وهو عيب يكاد يسقط فيه * كل حر يريد إظهار آله( ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه ) بحسن أوصافه وكثرة كمالاته ( بالقوة ) في العلم ( والغلبة ) على الخصم ( والتقدم على الأقران ) والأمثال أبدا ( بالفضل ، ولا ينفك في أثناء المناظرة من قوله ) إذا قال له خصمه قولا ينبهه عليه أو دليلا لم يخطر بباله : ( لست ممن يخفى عليه هذه الأمور ) ينسب بذلك إلى نفسه الكمال والإجلال ( ويقول ) في أثناء كلامه : ( أنا المتفنن في العلوم ) العقلية والنقلية ، ( وأنا المستقل بالأصول ) الدينية أي حامل أعبائها على وجه الاستقلال ، ( و ) أنا المتوحد في ( حفظ الأحاديث ) النبوية ، ( وغير ذلك مما يتمدح به تارة على سبيل الصلف ) والتكبر ، ( وتارة للحاجة ) الداعية ( إلى ترويج ) أي تزيين ( كلامه ، ومعلوم أن ) كلا ( من الصلف والتمدح ) وفي نسخة : البذخ ( مذموم شرعا وعقلا ) ، فينبغي التجنب عن ذلك ، نسأل اللّه الإعانة والتوفيق . ( ومنها ) : أي ومن آفات المناظرة ( التجسس ) ، وهو التعبير عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر ، ولذلك يقال : الجاسوس لصاحب سر الشر . ( و ) قيل : التجسس هو ( تتبع عورات الناس ) ومساوئهم ( وقد قال تعالى :وَلا تَجَسَّسُوا )[ الحجرات : 12 ] أي لا تتبعوا عورات الناس ولا تطلعوا على سرائرهم ، وقال مجاهد في تفسيره ، خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر اللّه . وورد في الحديث « لا تجسسوا ولا تحسسوا » بالجيم والحاء ( والمناظر ) في أغلب حالاته ( لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه ) والعثرة ما يسقط الإنسان في عثار قال الشاعر :يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرجل( وتتبع عورات خصومه ) . والعورة : هو ما يلحق الانسان العار عند ظهورها ( حتى أنه ليخبر ) أي يعطي خبرا ( بورود مناظر إلى بلده ) قادما ( فيطلب ) من الناس ( من يخبره ) ( بواطن أحواله ) من حال نشأته ( ويستخرج بالسؤال ) والبحث ( مقابحه ) ومذامه ( حتى بعده ذخيرة لنفسه ) يدخرها عنده إلى حين حضوره في مجلس المناظرة ( في إفضاحه ) على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 479 | مرتضى الزبيدي