الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة ، وكما أن الذي خير بين الشرب وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره ، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى اضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة ، وهذه الأخلاق ستأتي أدلة مذمتها من الاخبار والآيات في ربع المهلكات ، ولكنا نشير الآن إلى مجامع ما تهيجه المناظرة .
فمنها : الحسد وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
شرح
إبليس ) لعنه اللّه ، والشيء قد يكون محمودا ومذموما باختلاف النسب والإضافات ، ( ونسبتها ) أي المناظرة ( إلى الفواحش الباطنة ) المعقولة ( من ) نحو ( الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية لنفس وحب الجاه وغيرها ) على ما سيأتي بيانها في المهلكات .
( نسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة ) المحسوسة ( من ) نحو ( الزنا والقذف والقتل والسرقة ) وغيرها ، ( وكما أن الذي خيّر بين الشرب ) أي بين أن يشرب الخمر ( و ) بين ارتكاب ( سائر الفواحش ) كقتل وزنا وغير ذلك ( استصغر الشرب ) أي عدّه صغيرا ( فأقدم عليه ) فشربه ، ( فدعاه ذلك ) وحمله ( إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره ) فزنى وقتل وفعل ما فعل ، وذلك لكونه جماع الإثم ومفسد العقل ومفسدا للدنيا والدين ، وقد ورد في شربه أحاديث يأتي بيانها في مواضعها ، ( وكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه ) عند ذويه ( والمباهاة به دعاه ذلك ) وجره ( إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه ) أي في الانسان ( جميع الأخلاق ) الرذيلة ( المذمومة ) المعكوسة . ( وهذه الأخلاق ) بتمامها ( سيأتي ) بيانها وتأتي ( أدلة مذمتها ) المستنبطة ( من الأخبار ) الواردة ( والآيات في ربع المهلكات ) إن شاء اللّه تعالى ( ولكنا نشير الآن ) بحسب المقام ( إلى مجامع ما تهيجه المناظرة ) وتبعثه عليه .
( فمنها : الحسد ) وهو تسخط قضاء اللّه والاعتراض عليه وهو مذموم ، قال اللّه تعالى :( وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ )[ الفلق : 5 ] ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » ) لأنه اعتراض على اللّه فيما لا عذر للعبد فيه لأنه لا يضره نعمة اللّه على عبده ، فاللّه لا يعبث ولا يضع الشيء في غير محله ، فكأنه نسب ربه للجهل والسفه ولم يرض بقضائه . والحاسد معاقب بالغيظ الدائم في الدنيا وفي الآخرة بإحباط الحسنات . قال العراقي : أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة . قال البخاري : لا يصح ، وهو عند ابن ماجة من حديث أنس بإسناد ضعيف ، وفي تاريخ بغداد بإسناد حسن اه .
قلت : أما أبو داود فأخرجه من رواية إبراهيم بن أبي أسيد عن جده عن أبي هريرة بلفظ