تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
أحد من الانتقال من دليل إلى دليل ومن قياس إلى أثر ومن خبر إلى آية ؟ بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس إذ كانوا يذكرون كل ما يخطر لهم كما يخطر وكانوا ينظرون فيه . الثامن : أن يناظر من يتوقع الاستفادة منه ممن هو مشتغل بالعلم والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والأكابر خوفا من ظهور الحق على ألسنتهم ، فيرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليهم ووراء هذه شروط دقيقة كثيرة ، ولكن في هذه الشروط الثمانية ما يهديك إلى من يناظر للّه ومن يناظر لعلة . واعلم بالجملة أن من لا يناظر الشيطان وهو مستول على قلبه وهو أعدى عدوّ له ولا يزال يدعوه إلى
شرح
( إلى أثر نبوي ، ومن خبر إلى آية ) ؟ كلا : واللّه ( بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس إذ كانوا يذكرون ) ما عندهم ( كلما يخطر لهم ) في أفهامهم ( كما يخطر وكانوا ينظرون فيه ) نظر تدبر ، فإن رأوا حقا رجعوا إليه . وانظر رجوع إسحاق بن راهويه إلى قول الشافعي بعد مناظرته في إهاب الميتة المدبوغة واستدلاله بحديث ابن عكيم كما تقدم له ظهر له الحق فيه وتصمم أحمد فلم يرجع ، ثم لما ظهر له ترجيح حديث ميمونة رجع إليه كما نقل عنه . ( الثامن : أن يناظر ) مع ( من يتوقع ) أي يرجو ( الاستفادة منه ممن هو مستقل بالعلم ) كامل الأحوال عارف الأصول الدينية متمحض في خدمة العلم غير راكن إلى الدنيا وأربابها ( والغالب ) على مناظري الزمان ( أنهم يحترزون ) ويتجنبون ( من مناظرة الفحول ) من العلماء ( والأكابر ) من الفضلاء ( خوفا من ظهور الحق على لسانهم ) ، فلا محالة من اتباعه وترك مذهب مقلده أو خوفا من تبكيته والتسجيل عليه بكونه صار مغلوبا ، ( ويرغبون فيمن دونهم ) من أوساط الطلبة وصغارهم ( طمعا في ترويج الباطل عليهم ) وهم لقصور أفهامهم لا يطيقون على رد ذلك الباطل فيدخلون عليهم بهذه التمويهات المزخرفة فيتحيرون ويروج عليهم ذلك الكلام ، فهذه شروط في المناظرة ثمانية . ( ووراء هذا شروط ) أخر ( دقيقة ) يطول الكلام في بيانها ، ( ولكن في هذه الشروط الثمانية ) المذكورة ( ما يهديك ) ويرشدك ( إلى ) الفرق بين ( من يناظر للّه ) تعالى وقصده ظهور الحق واتباعه ، ( و ) بين ( من يناظر لعلة ) دنيوية وأغراض فاسدة ، ثم لما فرغ من بيان الشروط الثمانية شرع في ذكر الآفات التي تحدث في المناظرة بمناسبة لطيفة ودخول غريب فقال : ( واعلم بالجملة ) فإن التفصيل مما يمل منه ( أن من لا يناظر الشيطان وهو مستول على قلبه ) بوساوسه وشركه ( وهو أعدى أعدائه ) وأكبر خصمائه ، إعلم أن جهاد أعداء اللّه في الخارج فرع على جهاد العبد نفسه في ذات اللّه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المجاهد من جاهد نفسه في ذات اللّه والمهاجر من هجر عما نهى اللّه عنه » ولذلك كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وإضلاله ، فإنه ما لم يجاهد أولا نفسه ويناظرها لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ، ويحاربها في اللّه لم يمكنه جهاد عدوه في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 469 | مرتضى الزبيدي