فما له ولقوله : هذا لا يلزمني ذكره وهذا يناقض كلامك الأوّل فلا يقبل منك ، فإن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله . وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها . فيقال له : ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة ؟ فيقول : هذا ما ظهر لي ، فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه ، فيصر المعترض ويقول فيه معان سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها ، ويقول المستدل : عليك إيراد ما
شرح
وهذه المناظرة قد أوردها التاج السبكي في طبقاته كما سقناه وقال في آخر ذلك : فانظر إلى سكوت الشافعي ومحبته لظهور الحق ، وربما يظن فيه قاصر الفهم ان الشافعي انقطع فيها مع إسحاق ، ولو تأمل رجوع إسحاق إليه لظهر له الحق ، وتحقيق هذا ان اعتراض إسحاق فاسد الموضع لا يقابل بغير السكوت بيانه أن كتاب عبد اللّه بن عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن انه مسبوق بالسماع ، وإنما ظن ذلك ظنا لقرب التاريخ ومجرد هذا الأمر لا ينهض بالنسخ ، وأما كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء فعضدتها القرائن وساعدتها بالتواتر الدال على أن هذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالدعوة إلى ما في هذا الكتاب فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تسجيل على إسحاق بان اعتراضه فاسد الموضع فلم يستحق عنده جوابا . وهذا شأن الخارج عن البحث عند الجدليين ، فإنه لا يقابل بغير السكوت ورب سكوت أبلغ من نطق ، ومن ثم رجع إليه إسحاق فافهم . ( ويخرج من كلامه ) الذي يقرره ( جميع دقائق الجدل المبتدعة ) على طريقة العميدي أو البزدوي ( فماله ولقوله ) فيما بعد ( هذا ) القول ( لا يلزمني ذكره ) في هذا البحث ، ( وهذا ) إن تأملت ( يناقض كلامك الأوّل فلا يقبل منك ) والانتقال من دليل إلى دليل قد يوجد فيه ذلك ، ( فإن الرجوع إلى الحق أبدا يكون مناقضا للباطل ويجب قبوله ) ولا عبرة بمناقضة الكلام الثاني الأول والجدلي لا يسلم ذلك . ( وأنت ترى أن جميع المجالس ) في زمانك ( تنقضي ) على غير طائل ( في المدافعات والمجادلات ) مع الخصوم لألفتهم في العنادة وضراوة الاعتياد على داعية المخالفة ( حتى يقيس المستدل على أصل ) من الأصول ( بعلة ) موجبة له ( يظنها فيقال له : وما الدليل أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة ) . قال المناوي ؟ العلة عند الأصوليين المؤثر للحكم وقيل المؤثر بذاته بإذن اللّه تعالى ، وقيل : الباعث عليه والعلة القاصرة عندهم هي التي لا تتعدى محل النص اه .
وقد أورد ما يتعلق بالعلة ومسائلها المصنف في كتاب مستقل سماه شفاء الغليل في بيان مسائل التعليل ، وذكر فيه أن العلة القاصرة صحيحة عند الشافعي باطلة عند أبي حنيفة ؟ ( فيقول :
هذا ما ظهر لي ) في هذا الحكم ( فإن ظهر لك ) فيه ( ما هو أوضح وأولى منه فاذكره ) لي ( حتى أنظر فيه ) فإن كان حقا تبعه ، ( فيصر ) أي يبقى مصرا ( للتعرض ) أي على التعرض وفي نسخة : فيصر المعترض ( ويقول فيه معان ) أخرى ( سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها ) لك أو يقول ( ولا يلزمني ذكرها ) لك ، ( ويقول المستدل عليك