تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
مسعود : وأنا أقول إن قتل فأصاب الحق فهو في الجنة ، فقال أبو موسى : الحق ما قال . وهكذا يكون إنصاف طالب الحق . ولو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه لأنكره واستبعده وقال : لا يحتاج إلى أن يقال أصاب الحق ، فإن ذلك معلوم لكل أحد ، فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه ، وكيف يخجل به ، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته ، وكيف يذم من
شرح
سبيل اللّه فقتل مقبلا غير مدبر أين هو ؟ ( وأعاد ) أبو موسى الجواب وقال هو في الجنة ، فقال ابن مسعود : أعد على الأمير فلعله لم يفهم فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول أبو موسى في الجنة ، ثم قال : ما عندي غير هذا فما تقول أنت ؟ ( فقال ابن مسعود ) : لكن لا أقول هكذا . قال : فما قولك ؟ قال : ( أنا أقول إن قتل ) في سبيل اللّه ( فأصاب الحق فهو في الجنة ، فقال أبو موسى : هو ما قال ) . وفي القوت صدق لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم . هكذا ذكره صاحب القوت بتمامه . قلت : وفي الحلية من طريق مجالد عن عامر قال أبو موسى : لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم يعني ابن مسعود ، ونظير هذه القصة ما قال أبو داود في سننه : حدثنا عبد السلام بن مظهر أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن أبي موسى ، عن أبيه ، عن ابن لعبد اللّه بن مسعود عن ابن مسعود قال : لارضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم ، فقال أبو موسى : لا تسألونا وهذا الحبر فيكم . قال صاحب القوت : فهؤلاء أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يردون الأمور في الفتيا في علم اللسان إلى من هو دونهم في القدر والمنزلة ، وهو في علم التوحيد والمعرفة والإيمان فوقهم درجات ، فهذا كما قيل : العلم نور يقذفه اللّه تعالى في قلوب أوليائه فقد يكون ذلك تفضيلا للنظراء بعضهم على بعض ، وقد يكون تخصيصا للشباب على الشيوخ ولمن جاء بعد السلف من التابعين ، وربما كان تكرمة للخاملين المتواضعين لينبه عليهم ليرفعوا اه . ( فهكذا يكون إنصاف صاحب الحق ) يرد العلم إلى أهله ولا يستأنف ، ( ولو ذكر الآن مثل هذا لأقل فقيه ) له دراية في العلم ( لأنكر ) ذلك ( واستبعد ) وانتصب للخصام ( وقال : لا يحتاج ) الأمر ( إلى أن يقال أصاب الحق ) أي لا حاجة إلى ذكر هذا القيد ، ( فإن ذلك معلوم ) بديهة ( لكل أحد ) ، ثم إن هذا القيد الذي أتى به ابن مسعود هو المفهوم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم على ما أخرجه البخاري : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في الجنة » . وقد فهم أبو موسى ذلك فرجع عن اطلاق القول بأن القتل قد يكون رياء وقد يكون سمعة وقد يكون لغير ذلك ، وهذا القيد هو مناط الفائدة والجواب الذي يصح عليه السكوت فمن قال باستبعاده وكونه معلوما مجادلة فتأمل . ( فانظر ) الآن ( إلى مناظري زمانك ) إذا اجتمعوا في محفل وتكلم بعضهم على بعض ( كيف يسود وجهه ) من تغير طبعه ( إذا اتضح الحق على لسان خصمه ) وعلم الحاضرون ذلك ، ( وكيف يخجل به ) باحمرار لونه عندهم ، ( وكيف يجتهد )