الرابع : أن لا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبا ، فإن الصحابة رضي اللّه عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدد من الوقائع أو ما يغلب وقوعه كالفرائض ، ولا ترى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعم البلوى بالفتوى فيها بل يطلبون الطبوليات التي يتسع مجال الجدل فيها كيفما كان الأمر ، وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون هذه مسألة خبرية أو هي من الزوايا وليست من الطبوليات ، فمن العجائب أن يكون المطلب هو الحق ثم يتركون المسألة لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الاخبار أو لأنها
شرح
الحالة الرابعة : أن يقدم المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته ، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين فيه وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به ، وهكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب ، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه . قال النووي : فهذه أصناف المفتين وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس ، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة باء بأمر عظيم . قال ابن الهائم بعد نقله هذا الكلام : وليت ابن الصلاح أثبت حالة خامسة على طريق الرخصة بحسب همم أهل هذا العصر وقصور قواهم عن بلوغ هذه المرتبة الرابعة ، فلا تكاد تجد مفتيا بالشرط الذي اعتبره في المرتبة الرابعة اه .
( الرابع : أن لا يناظر إلا في مسألة واقعة ) أو نازلة مهمة احتاج الأمر إلى الكشف عن حقيقتها ومعانيها اضطرارا ( أو ) في مسألة ( قريبة الوقوع غالبا ) بحيث يخاف أنها تقع فيحتاج إلى التنبيه لوقوعها ، وهذا هو الشرط الأكمل لمن يناظر بالاخلاص وحسن النية ، ( فإن الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( ما تشاوروا ) مع بعضهم برد الفتوى إليهم ( إلا فيما تجدد من الوقائع ) والنوازل ( أو ما يغلب وقوعه كالفرائض ) ، وقد تقدمت الإشارة إليه ، وأما في غير ذلك فإنهم كانوا يفتون بما اقتبسوه من مشكاة النبوّة ولا يمتنع أحد منهم من إباحة العلم أشار لذلك العماد السكري في الارشاد ، ( وأنت ) الآن ( لا ترى المناظرين يهتمون ) ويفتون ( بانتقاد المسائل التي تعم البلوى بالفتوى فيها ) ولا يحومون حولها ( بل يطلبون ) المسائل ( الطبوليات ) التي يدق لها بالطبل وهي كناية عن الاشتهار والاجتماع لها وهي ( التي يتسع مجال الجدل ) ومثار نقع الخلاف ( فيها كيفما كان الأمر ) لأجل الشهرة فقط ، وأن يقال فلان مناظر جدلي عالم كبير فيرتفع قدره عند عوام الناس لأجل تكالبه على حطام الدنيا ، ( وربما يتركون ) البحث في ( ما يكثر وقوعه ) في الزمان ويقولون ( هذه مسألة خبرية ) قد أخبر بها فلان من الشيوخ ونص عليها فلان في الكتاب الفلاني ( أو هي من ) مسائل ( الزوايا ) التي من شأنها أن لا يحدث به إلا في الخلوة وما دروا كم في الزوايا من خبايا ، ( و ) يقولون أنها ( ليست من ) مسائل ( الطبول ) التي يضرب لها بالطبل ، ( فمن العجائب أن يكون