شرح
بعد هذه الحالة إلا تحصيل الأدلة الجزئية في آحاد المسائل من نصوص أو أقيسة ، فإذا اطلع على دليل مسألة كان من أهل الفتيا في تلك المسألة ولا يضره كونه غير مطلع على دليل المسألة الأخرى ، ثم قال : واعلم أن الاجتهاد عبارة عن بذل الجهد في طلب حكم من الأحكام الشرعية ممن هو عارف بسلوك طرقها وله شروط وهي قسمان . قسم في المنظور فيه ، وقسم في الناظر . أما المنظور فيه فيشترط فيه أن لا يكون في محل القطع ، فإن محال القطع لا مجال للاجتهاد فيها كأصل وجوب الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما يحكم فيه بأدلة قطعية لا يسوغ خلافها . وأما الناظر فيشترط فيه أمران . أحدهما : أن يكون عارفا بقوانين الأدلة وشروطها وكيفية استخراجها . والثاني : أن يكون متمكنا من استخراج الدليل خاصا في المسألة التي يجتهد فيها ، ثم أطال الكلام في ذلك ونحن قد اختصرنا لك ما ناسب في هذا المقام ، وعلى نمطه ألف السيوطي كتاب ( الأصعاد إلى رتبة الاجتهاد ) . وذكر الشهاب أحمد بن محمد بن الهائم المصري نزيل بيت المقدس في كتابه ( نزهة النفوس ) ما نصه فائدة قال أبو عمرو بن الصلاح : المفتون قسمان . مستقل وغيره ، ثم بيّن المستقل قال وهو شيء قد عدم من اعصار .
والقسم الثاني الذي ليس بمستقل وهذا أيضا قد عدم من دهر طويل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى المذاهب المتبوعة ، وللمفتى المنتسب أربعة أحوال .
إحداها : أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليل لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوك طريقته في الاجتهاد ، ثم حكى من قال ذلك من أئمة أصحابنا ، ثم قال :
ودعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم . قال : ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها في الإجماع والخلاف . قال الأذرعي :
وهذا شيء قد انطوى أيضا .
الحالة الثانية : أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده وشرطه ، كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بالحاق ما ليس منصوصا لإمامه بأصوله ولا يعرى عن شوب تقليد له لا خلاله ببعض أدوات المستقل إلى أن قال : وهذه صفة أصحاب الوجوه ولكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويهمل ويزيف ويرجح ، لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الأصول أو نحوها من أدواتهم . وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج « 1 » .
هامش
( 1 ) الحالة الثالثة ساقطة من الأصل .