شرح
إنما يتصور في الأدلة بأن يختص أحدهما بزيادة تؤكد الظن الحاصل فيه ، ولم توجد في الآخر فإن أرادوا هذا المعنى فقد أصابوا في المراد وأخطأوا في الاطلاق ، وإذا آل الأمر إلى الترجيح في الأدلة ، فلا بد للمرجح من معرفة الدليل وشروطه وأوصافه ، وبعد هذا يتحقق عنده مقابل الأدلة وإلّا كيف يتصور ممن لا يعرف الأدلة وشروطها أن يكون بحكم مقابلها ، ثم يخوض بعد ذلك في ترجيح بعضها على بعض ، وأنتم قد حكمتم على أنفسكم بالعجز عن استخراج الأدلة ، وإذا فقد معرفة الأدلة التي هي شرط معرفة الترجيح لزم ضرورة انتفاء الشرط وهي معرفة الترجيح ، ثم إن المسألة إذا كان فيها قولان مختلفان يحرم على العامي العمل بها إذا لم يعرف المتقدم من المتأخر وتصير في حقه كأن لم يكن للمنقول فيها عند قول أصلا وتعين عليه أن يراجع المنقول عنه إن أمكن أو تقليد غيره ممن يجوز الاعتماد عليه والمسائل التي قد نقل فيها قولان عن أبي حنيفة والشافعي كثيرة ، وربما يكون معظم المذهب وكان يجب عليكم الكف عن الكلام فيها . ولو فعلتم ذلك لذهبت شهامتكم واختلت مناصبكم ونسبتم إلى قلة العلم .
فان قيل : كيف يجوز لكم الفتوى فيما لم ينقل عن مقلدكم فيه حكم وأنتم لستم بأهل الاجتهاد باعترافكم ؟ قالوا : نقيسها على مسألة مسطورة وربما تحدث فيحدث ، ويقول : أصول الشافعي تقتضي كذا في هذه المسألة : فيقال لهم : أتردّون الحكم إلى اجتهادكم أو إلى اجتهاد الشافعي ؟
الأوّل : لا تعرفون به ، وأما الثاني فيقال عليه قد افتريتم على الشافعي ، فإنه لم يتكلم في هذه المسألة فكيف يحل لكم أن تنسبوا إليه ما لم يقل ؟ فإن قالوا : نعني بكونها منسوبة إليه أنها مقاسة على ما نص عليه ، فاعلم أن في هذا الاطلاق تدليسا فإنه يفهم منه حكم الشافعي ، وقد علمتم أن سائلكم إنما سأل عما ذكره الإمام الشافعي ، فيحق لكم أن لا تطلقوا النسبة إليه ، وأيضا قولكم هذا إن كان عن اجتهاد فلا يمكنكم أو عن تقليد فلا يمكن أيضا لأنه انطوى بساط الاجتهاد بالشافعي أو بابن سريج كما زعمتم فما بعدهما لا يجوز الاعتماد على اجتهاده ، ثم قال : اعلم أن الإجتهاد جنس تندرج تحته أنواع متعددة فإن الاجتهاد في المسائل القياسية غير الاجتهاد في المسائل التي مستندها ألفاظ الشارع وغير الاجتهاد في المسائل التي مستندها أفعال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكل نوع من هذه الأنواع يمكن العلم به مع عدم العلم بغيره ، فيمكن أن يكون الواحد ماهرا في القياس ، وشروطه ومراتبه وموارده ، ولا يكون عالما بتفاصيل الاخبار ولا مطلعا على صحيحها وفاسدها ، وبالعكس هذا بالنظر إلى جملة الأنواع ، وكل نوع مشتمل على صور أيضا ، فإن القياس يستعمل في مسائل متعددة في البيوع والنكاح والقصاص فيمكن أن يكون الواحد منا مطلعا على مسائل النكاح عالما بأقيستها معتنيا فيها ، ولا يكون مطلعا على مسائل البيع ، فليس الاجتهاد خطة واحدة لا تتعدد أنواعه ولا تتكثر مسائله ، فعند هذا يمكن أن يكون الواحد مجتهدا في بعض المسائل مجيبا عن البعض ولا يكون عالما بالبعض ، فليس من شرط المجتهد أن يكون مجيبا عن كل ما يسأل عنه ، ولذلك توقف كثير من الأئمة في الجواب عن بعض المسائل ، فلا يجوز لأحد أن يفتي في مسألة من المسائل إلّا إذا كان محيطا بأدلتها وما لا فيمسك عن الفتيا فيها ولا يبقى